بحوث فقهية - السيد محمد رضا السيستاني - الصفحة ٢٤٤ - (الجهة الرابعة)
والظاهر أن المتعيّن منها هو الوجه الثالث، فإن كلاًّ من الوجهين الأولين خلاف المتفاهم العُرفي:
أما الوجه الأول فلأن المستظهر عُرفاً من أمثال اللفظ الوارد في الحديث إنما هو إفادة حكم واحد فقط، لا إفادة حكمين أحدهما يثبت للشيء بعنوانه الذاتي والآخر لعنوان التشبّه بالكفار المنطبق على الفعل المضاد له، وإن كان ثبوت حكمين على النهج المذكور معقولاً في حدّ ذاته كما سبق.
وأما الوجه الثاني فلأنه يبتني على أن يكون قوله ٦ : ((إحفوا الشوارب واعفوا اللحى)) جملة تمهيدية، ويكون المقصود بالإفادة أساساً هو قوله: ((ولا تشبّهوا بالمجوس)) مع أن المستظهر عُرفاً ـ لولا القرينة الخاصة ـ عكس ذلك كما يتضح بملاحظة نظائره.
(إن قيل): ولكن الذي ثبت في نظيره وهو قوله ٦ : ((غيّروا الشيب ولا تشبّهوا باليهود) هو ما يوافق الوجه الثاني المذكور، حيث تقدّم أنه قد ورد في نهج البلاغة أنه سئل الإمام أمير المؤمنين ٧ عن قول النبي ٦ ذاك فأجاب: ((إنما قال ٦ ذلك والدين قلّ فأما الآن وقد اتسع نطاقه وضرب بجرانه فامرؤ وما اختار)) [١] فإنه يُستفاد من جوابه ٧ أن الأمر بتغيير الشيب لم يكن لمطلوبيّته في حدّ ذاته، بل من حيث كون عدم التشبّه باليهود مطلوباً ليتميّز المسلمون عنهم لمّا كان عدد المسلمين قليلاً، وأما بعد ازدياد عددهم فلا ضير في عدم تغيير الشيب.
وفي ضوء ذلك ينبغي أن يُفسّر حديث: ((إحفوا الشوارب واعفوا اللحى ولا تشبّهوا بالمجوس)) بمثل ذلك، فيقال أنه ٦ إنما أمر بإحفاء الشوارب وإعفاء اللحى لا لمطلوبيتهما الذاتية، بل لغرض تمييز المسلمين من خلطائهم من الكفّار في أوائل الدعوة حيث كان عدد المسلمين قليلاً، وأما بعد أن ازداد عددهم فامرؤ وما اختار.
[١] نهج البلاغة ص٦٢٩.