بحوث فقهية - السيد محمد رضا السيستاني - الصفحة ٤٢٨ - ٢ ـ إن ما ذُكر في الأمر الأول من أن الخبر المروي بطريق الثقات
على النحو المذكور ليتسنّى الرجوع إلى الأصل العدمي عند الشكّ في وجود المعارض، بل يجوز أن يكون على نحوٍ آخر بأن تكون الحجّة هي الشهادة بالوثاقة غير المعارضة بغيرها على نحو العدم النعتي، وبناءً عليه لا يمكن الرجوع إلى الأصل حتى على القول بجريانه في الأعدام الأزليّة لكونه مثبتاً في المقام.
نعم يمكن أن يقال إنّ بناء العقلاء على عدم الاعتناء باحتمال وجود المعارض مما يكشف عن كون الموضوع لجعل الحجّية مأخوذاً على نحو يمكن إحرازه بأصالة عدم المعارض فتأمل.
ولكن القدر المتيقّن من بناء العقلاء على ذلك ما إذا لم تكن الشهادة بالوثاقة في معرض الابتلاء بالمعارض وإلاّ لم يؤخذ بها إلاّ بعد الفحص عن المعارض والتأكد من عدمه، وعلى ذلك لو أخفى الشاهد بالوثاقة هوية المشهود له بها بحيث تعذّر الفحص عن وجود المعارض لشهادته لم يُعتمد عليها، ومن هنا لو أشار عدل إلى جمعٍ وفيهم بعض المطعونين قائلاً: (إن شخصاً من هؤلاء وأشهد بوثاقته قال كذا) لم يؤخذ بشهادته بالوثاقة إلاّ أن يُعلم أن الموثّق ليس ضمن من ورد الطعن فيهم من طريقٍ آخر.
فالنتيجة: إن الشهادة بوثاقة الراوي غير المعلوم بشخصه مما لا يمكن الاعتماد عليها مع احتمال كونه ممّن ورد الطعن عليه من طريقٍ يُعتمد عليه.
هذا.. ولكن التحقيق أن هذا الوجه الرابع للإشكال وإن كان صحيحاً في حدّ نفسه إلاّ أنه غير تامٍّ في محلّ الكلام، لأنه بعد البناء على كُبرى معاملة الخبر الوارد في الحسّيات معاملة الخبر الحسّي وإن احتمل كونه حدسياً على سعة هذه الكُبرى وإطلاقها لا وجه للمناقشة من جهة كون الخبر مرسلاً، والوجه في ذلك أن مقتضى الكُبرى المذكورة أن الخبر الواصل مع الواسطة قد وصل إما بطريق التواتر أو بطريق الثقات بالاتفاق، ومتى بُني على ذلك فلا معنى للمناقشة في حجّية مثل هذا الخبر بالإرسال لاحتمال كون بعضهم مطعونين.