بحوث فقهية - السيد محمد رضا السيستاني - الصفحة ٣٣٤
أسلم عن عامر بن عبد الله بن الزبير أن عمر بن الخطاب كان إذا غضب فتل شاربه ونفخ [١] .
وفعل الصحابي وإن لم يكن حجّة عند الأكثر بحيث يمكن الاستناد إليه في حمل الأمر على الاستحباب أو حمل النهي على الكراهة ـ ولذلك استبعد الصنعاني ما قيل من أن النهي عن الجلوس على قبر المسلم محمول على الكراهة بدليل ما حُكي من صدور ذلك عن بعض الصحابة [٢] ـ إلاّ أنه يمكن أن يقال في المقام أن توفير الخليفة عمر شاربه لما كان بمرأى ومسمع جميع الصحابة صحّ أن يُعدّ سكوتهم عن الإنكار عليه بمثابة الإجماع منهم على جواز التوفير.
والجواب: إن قيام الخليفة بتوفير شاربه ـ على خلاف السنّة النبوية في ذلك [٣] ـ ليس بأعظم من سائر ما أحدثه في الدين مما لم يتيسّر للمسلمين الوقوف بوجهه فيها كما في تحريم المتعتين، وتشريع صلاة التراويح.
فقد روى النسائي بإسناده عن ابن عباس قال: سمعت عمر يقول: والله إني لأنهاكم عن المتعة وإنها لفي كتاب الله ولقد فعلها رسول الله ٦ يعني العمرة في الحج [٤] .
[١] المعجم الكبير ج١ ص٦٦، ويبدو أن عمر بن الخطاب إنما كان يوفّر شاربه ليكون مهيباً في أعين الناس ولعلّه كان يرى أنه يُندب للحاكم أن يصنع ما يكون به مهيباً في أعين المحكومين كما قالوا إنّ الغازي في دار الحرب مندوب إلى أن يوفّر شاربه ليكون أهيب في عين العدو (لاحظ السير الكبير ج١ ص١١٣) ، ومما يُذكر بشأن هيبة الخليفة أنه دعى ذات مرة رجلاً يأخذ من شاربه فتنحنح فأحدث الرجل من هيبته فأعطاه أربعين درهماً!! (لاحظ تاريخ المدينة ج٢ ص٦٨٣).
[٢] سبل السلام ج١ ص١٣٧.
[٣] حاول الجصاص في أحكام القرآن ج١ ص٨٣ أن يوجّه فعل الخليفة فقال: (جائز أن يكون كان يتركه حتى يمكن فتله ثم يحلقه كما ترى كثيراً من الناس يفعله).
[٤] سنن النسائي ج٥ ص١٥٣.