بحوث فقهية - السيد محمد رضا السيستاني - الصفحة ٤١٥ - أما على المسلك الأول ـ وهو الذي تبنّاه السيد الأستاذ قدس سره
نعم متى تأكّد للمكلّف أن الفقيه على قناعةٍ تامةٍ بعدم توفّر الدليل على الحكم الإلزامي في المسألة وكان المورد مجرًى للأصل الترخيصي فلا مانع من رجوعه إليه، ولكن أنّى يتسنّى للمكلّف التأكّد من ذلك؟
ب ـ إن ما هو حجّة على المكلّف غير القادر على استنباط الأحكام من أدلّتها ليس إلاّ فتاوى الفقهاء المؤهّلين للتقليد، فلو احتمل حرمة شيءٍ كحلق اللحية لم يكن عليه التأكّد من توصّل مرجعه في التقليد إلى خلوّ المسألة من الدليل على الحكم الإلزامي ليتسنّى له الرجوع إلى الأصل الترخيصي الجاري في المورد، بل يكفيه أن يفحص ولا يعثر على من يُفتي بالحرمة ـ كما لا يوجد من يفتي بالحلية ـ فإنه يحقّ له عندئذٍ الرجوع إلى مقتضى الأصل أيًّا كان السبب الواقعي وراء إحجام الفقهاء عن الفتوى في المسألة.
والوجه في ذلك أن علم المكلّف بوجود تكاليف إلزامية في الشريعة المقدسة ينحلّ بما يجده من أحكام إلزامية في فتاوى مرجعه الأعلم، ويكون احتمال التكليف الإلزامي في موارد احتياطه احتمالاً بدوياً، غاية الأمر أنه يجب عليه الفحص عن الحجّة على الحكم الإلزامي فيها قبل الرجوع إلى ما هو مقتضى الأصل الترخيصي، والحجّة بالنسبة إليه ـ بما هو غير متمكّن من الاستنباط ـ ليس إلاّ فتاوى الفقهاء فإذا لم يجد القائل بالحرمة في من يصلح للتقليد ـ وإن كان ذلك من جهة تردّد البعض في المسألة وإخفاء البعض الآخر رأيه فيها ـ جاز له الرجوع إلى الأصل المقتضي للبراءة مثلاً.
وهذا الكلام على الرغم من تماميّته في حدِّ ذاته قليل الجدوى، فإنه قلّما يوجد مورد للاحتياط الوجوبي للمرجع الأعلم ولا يكون فيه فتوى لغيره من الفقهاء، فإذا لزم المكلّف الفحص وقام بذلك لتوصّل إلى حكم المسألة من خلال فتوى الفقيه الجامع للشرائط فلا يبقى محلّ لرجوعه إلى الأصل.