بحوث فقهية - السيد محمد رضا السيستاني - الصفحة ٢٣٤ - (الجهة الثالثة)
يُستفادان من حكومة العقل بمناط وجوب الطاعة، فإن صيغة الأمر لا تدلّ إلاّ على إبراز اعتبار شيء وجعله على ذمّة المكلفّ، كما أن النهي لا يدلّ إلاّ على اعتبار محروميّته منه فإن لم يقترن بالترخيص في الترك أو في الفعل انتزع منه الوجوب أو الحرمة بحكم العقل عملاً بوظيفة العبودية وخروجاً عن عهدة الطاعة، وإن اقترن بالترخيص في أحدهما انتُزع منه الاستحباب أو الكراهة من دون أن تكون الصيغة بنفسها مستعملة في شيءٍ من ذلك، وحيث قد ثبت الترخيص في الترك من الخارج بالإضافة إلى أحدهما ولم يثبت بالنسبة إلى الآخر فلا بدّ من الالتزام بالوجوب في الثاني والاستحباب في الأول من دون أن يستلزم ذلك تفكيكاً في ظاهر اللفظ كي ينافي اتحاد السياق [١] .
ويُلاحظ على ما أفاده قدس سره في الجهة الأولى بأن مورد قرينية السياق عند القائلين بها هو ما كان من قبيل إيراد حُكمين في جملتين مستقلّتين إحداهما معطوفة على الأخرى، فإن في مثله يُقال أن ظهور الأمر الاستحبابي ـ مثلاً ـ يؤثّر في ظهور الأمر الآخر الوارد في سياقه فيمنع من انعقاده في الوجوب أو ينعقد في الاستحباب أيضاً ـ على ما سيأتي الكلام حوله ـ وما أفاده طاب ثراه من أنه لا مانع من إرادة الوجوب من أحد الحكمين وإرادة الاستحباب من الآخر وإن كان مسلّماً عند القائل بقرينيّة السياق إلاّ أنه يزعم كونه بحاجة إلى القرينة الخاصة لاختلال ظهور الأمر في الوجوب بوقوعه في سياق الأمر الاستحبابي.
وبالجملة مورد دعوى قرينيّة السياق هو ذلك، وأما في مورد إيراد جملة واحدة متضمّنة لحكم موضوعين كقوله: (اغتسل للجمعة وللجنابة) فليس إرادة الوجوب بالنسبة إلى كلا الموضوعين من جهة السياق، بل من جهة أن من شروط الحذف بدليل لفظي أن يكون المحذوف طبق المذكور في المعنى،
[١] مصباح الفقاهة ج١ ص٢٥٩، مستند العروة الوثقى كتاب الصلاة ج٥ ق٢ ص٢٤٠.