بحوث فقهية - السيد محمد رضا السيستاني - الصفحة ٧٤ - هل يوجد أصل لفظي ينفي اشتراط كون آلة الذبح من الحديد؟
مذكّى أن يتمّ إزهاق روحه بشروط معيّنة وألغى بعض ما كان مُعتبراً فيها قبل الإسلام.
(الرابع) : إنَّ التذكية اسم لحكم وضعي مُستحدث شرعاً يترتّب على الذبح ونحوه بالشروط التي قرّرها الشارع المقدّس، في مقابل معناها اللغوي وهو الذبح أو الطهارة أو الطيب أو غير ذلك.
هذه هي أهم الوجوه والأقوال في حقيقة التذكية، والتمسّك بإطلاق الآية الكريمة لنفي اعتبار كون آلة الذبح من جنس الحديد مبني على الالتزام بأحد الوجهين الأول والثالث في تفسير قوله تعالى: ((إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ)) ـ وإن كان الإطلاق على الأول لفظياً وعلى الثالث مقامياً ـ وأما على الوجهين الثاني والرابع فمن الواضح أنه لا مجال للأخذ بالإطلاق.
ولكن ما هو الصحيح من هذه الوجوه؟
الظاهر أن حمل الآية الكريمة على أحد الوجهين الثاني والرابع بعيد عن الصواب جداً، إذ لا شاهد على تحقّق معنى شرعي للفظ التذكية في عصر نزول الآية المباركة، بل يمكن استحصال بعض الشواهد على خلاف ذلك، ففي الخبر أن أبا ثعلبة الخشني أتى النبي ٦ فقال: يا رسول الله ٦ إن لي كلاباً مكلّبة فافتني في صيدها، فقال: ((إن كانت لك كلاباً مكلّبة فكُل مما أمسكت عليك)) فقال: يا رسول الله ذكي وغير ذكي؟ فقال: ((ذكي وغير ذكي)) قال: يا رسول الله أفتني في قوسي، قال: ((كُل ما أمسكت عليك قوسك)) قال: ذكي وغير ذكي؟ قال: ((ذكي وغير ذكي)) [١] .
ووجه الاستشهاد به هو أن المقصود بتقسيم ما يصطاد بالكلب أو بالسهم إلى ذكي وغير ذكي كما ورد في الخبر هو تقسيمه إلى ما يدركه الصياد فيذبحه قبل أن تزهق روحه وما تخرج روحه قبل أن يدركه، مع أن كلا القسمين يُعدّ من المذكّى على الوجهين الثاني والرابع، ولذا أمر
[١] مسند ابن حنبل ج٢ ص١٨٤.