بحوث فقهية - السيد محمد رضا السيستاني - الصفحة ٧٦ - هل يوجد أصل لفظي ينفي اشتراط كون آلة الذبح من الحديد؟
سيده عن ثعلب من أن الذكاء والذكاة بمعنى الذبح [١] ، فلعلّ الأصل فيه ما ذكره ثعلب في مجالسه قائلاً: (الذكا بلوغ كلّ شيء من الشرّ وغيره والذكاة منه أُخذت، وفي الحديث: ((يذكّيها بالأسل)) أي يذبحها بالحديد) [٢] ، ولكن تفسير التذكية بالذبح في بعض الأحاديث لا يدلّ على أنه هو معناها في أصل اللغة.
وقال الزجّاج: (كلّ ذبح ذكاة، ومعنى التذكية أن يدركها وفيها بقيّة تشخب معها الأوداج وتضطرب اضطراب المذبوح الذي أُدرِكتْ ذكاته، وأهل العلم يقولون: (إن أخرج السبع الحشوة أو قطع الجوف قطعاً خرجت معه الحشوة فلا ذكاة لذلك، وتأويله أنه يصير في حالة ما لا يؤثّر في حياته الذبح) [٣] وهذا النص ربما يدلّ على أن الذبح ليس معنىً للتذكية وإن كانت تتحقّق به فتدبّر.
وفي ضوء ذلك فمن المحتمل قوياً أن تكون التذكية مستعملة في الآية الكريمة في معناها الأصلي أي التمام [٤] ولكنّه لما كان يحصل غالباً بالذبح
[١] المحكم ج٧ ص٩٨.
[٢] مجالس ثعلب ص٨٣.
[٣] معاني القرآن ج٢ ص١٥٩.
[٤] قال الزجّاج في معاني القرآن ج٢ ص١٦٠: أصل الذكاء في اللغة كلّها تمام الشيء، فمن ذلك الذكاء في السنّ والعظم وهو تمام السن، قال الخليل: الذكاة في السن أن يأتي على قروحة سنة وذلك تمام استكمال القوة، والذكاء في الفهم أن يكون فهماً تاماً سريع القبول، وذكّيت النار إذا هو من هذا تأويله: أتممت إشعالها. اهـ والظاهر أن ما ذكره هو الصحيح، وأما ما يوجد في كلمات بعض الفقهاء من استظهار أن الذكاة في الأصل يقارب معنى النقاوة والنزاهة والطهارة فيبدو أنه يستند إلى ملاحظة بعض موارد الاستعمال كقولهم: (غلام ذكي) أي نقي الفكر و(نار ذكية) أي خالصة من الدخان و(كل يابس ذكي) أي طاهر، ولكن الظاهر أن الذكاة في الموردين الأولين بمعنى الإتمام أيضاً، وأما المورد الثالث فلم يثبت أنه بالذال فإن المذكور في بعض المصادر (الاستبصار ص٥٧ ج٢٢) : كلّ يابس زكي (بالزاء) وأما ما يظهر من القرطبي (ج٦ ص٥٢) من أن المعنى الأصلي للتذكية هو التطيّب بملاحظة قولهم: (رائحة ذكية) أي طيبة، فليس في محلّه فإن توصيف الرائحة بالذكية إنما هو من حيث كونها ساطعة قال ابن سيده في المحكم (ج٧ ص٩٧) : وذكا الريح شدّتها من طيب أو نتن، ومسك ذكي وذاك ساطع الرائحة وهو منه أهـ. وكذلك ما يظهر من ابن فارس في المقاييس (ج٢ ص٣٥٧) من أن ذكا يدلّ على حدّة في الشيء ونفاذ مبني على انطباعه من بعض الأمثلة مع أنها لا تأبى الحمل على المعنى الأول فلاحظ.