بحوث فقهية - السيد محمد رضا السيستاني - الصفحة ٤٥٥ - والتحقيق عدم تحقق الإطلاق لروايات هذهِ الطائفة بأيٍّ من الوجهين المذكورين، ويتّضح ذلك بملاحظة الجوّ الفقهي لصدورها فأقول
وأساس التمسّك بها لأحد الوجهين هو إطلاق النهي فيها عن ركوب القبّة والكنيسة، أي من دون تفصيل بين كون الركوب في الليل أو في النهار، في البرد أو في الحرّ، في حال نزول المطر أو عند هبوب الريح أو غير ذلك، ومقتضى هذا الإطلاق عدم جواز ركوب القُبّة ونحوها في مطلق الأحوال.
نعم ادعى القائلون بالوجه الثاني أن المتفاهم العُرفي من النهي عن ركوب القبّة ونحوها هو كون النهي عنه من جهة حصول التستّر به عن شيء، إذ لا داعي لركوبها بدلاً عن المحمل الخالي من القبّة مثلاً لو لم تستر الراكب من شيء مما يضرّ به أو يؤذيه، ولذلك لا ينعقد للكلام ظهور في الإطلاق ليشمل صورة كون وجود القبّة وعدمها على حدٍّ سواء.
والتحقيق: عدم تحقق الإطلاق لروايات هذهِ الطائفة بأيٍّ من الوجهين المذكورين، ويتّضح ذلك بملاحظة الجوّ الفقهي لصدورها فأقول:
يظهر بمراجعة مصادر الفريقين أنه كان هناك نزاع بين فقهاء المسلمين وأصحاب الفتاوى منهم في عصر الإمام الصادق ٧ بشأن جواز الاستظلال للمحرم حال ركوبه على المحمل بعد اتفاقهم على الترخيص له في ذلك عند النزول.
فكان فقهاء أهل المدينة ومنهم مالك بن أنس ينهون ـ نهي تحريم أو نهي تنزيه ـ عن استظلال المحرم في حال ركوبه، في حين كان فقهاء أهل الكوفة ومن أشهرهم أبو حنيفة يرخّصون له في ذلك ويقيسون ظلّ المحمل بظلّ الخباء، وقد مرّ في صحيح البزنطي أن أبا حنيفة سأل الصادق ٧ عن الفرق بين ظلّ المحمل وظلّ الخباء فأجابه ٧ : ((إن السُنّة لا تقاس)) ، ولكن لما كان القياس جائزاً في مذهب أبي حنيفة أخذ به وترك قول الصادق ٧ وكذلك صنع تلميذاه أبو يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني، وفي رواياتنا صور من المناظرات التي جرت بين الإمام موسى بن جعفر ٧ وكلّ منهما بمحضر الخليفتين المهدي والرشيد [١] .
[١] لاحظ الوسائل ج٩ ب٦٦ من أبواب تروك الإحرام.