تعريب منتهى الآمال في تواريخ النبي و الآل - الميلاني، السيد هاشم - الصفحة ٨٠٦ - الأول
قد نال الحزن من وجنتيه و شاع التغيير في عارضيه، و أبلى الدموع محجريه [١] و هو يقول:
سيدي غيبتك نفت رقادي، و ضيّقت عليّ مهادي، و ابتزّت منّي راحة فؤادي، سيدي غيبتك أوصلت مصابي بفجائع الأبد و فقد الواحد بعد الواحد يفني الجمع و العدد، فما أحسّ بدمعة ترقى من عيني و أنين يفتر من صدري عن دوارج الرزايا و سوالف البلايا الّا مثّل بعيني عن غوابر أعظمها و أفظعها و بواقي أشدّها و انكرها، و نوائب مخلوطة بغضبك، و نوازل معجونة بسخطك.
(١) قال سدير: فاستطارت عقولنا و لها، و تصدّعت قلوبنا جزعا من ذلك الخطب الهائل و الحادث الغائل [٢]، و ظننا انّه سمت [٣] لمكروهة قارعة، أو حلّت به من الدهر بائقة، فقلنا:
لا أبكى اللّه يا ابن خير الورى عينيك من أيّة حادثة تستنزف دمعتك و تستمطر عبرتك؟ و أيّة حالة حتمت عليك هذا المأتم؟
(٢) قال: فزفر [٤] الصادق عليه السّلام زفرة انتفخ منها جوفه و اشتدّ عنها خوفه، و قال: ويلكم نظرت في كتاب الجفر صبيحة هذا اليوم و هو الكتاب المشتمل على علم المنايا و البلايا و الرزايا و علم ما كان و ما يكون إلى يوم القيامة الذي خصّ اللّه به محمدا (صلّى اللّه عليه و آله) و الائمة من بعده، و تأملت منه مولد قائمنا و غيبته و إبطاءه و طول عمره و بلوى المؤمنين في ذلك الزمان، و تولّد الشكوك في قلوبهم من طول غيبته و ارتداد أكثرهم عن دينهم و خلعهم ربقة الاسلام من أعناقهم التي قال اللّه تقدّس ذكره: وَ كُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ... [٥].
- يعني الولاية- فأخذتني الرقّة و استولت عليّ الأحزان ... الخ [٦].
[١] المحجر من العين ما دار بها و بدا من المبرقع.
[٢] الغائل: المهلك، و الغوائل: الدواهي.
[٣] سمت: صفة.
[٤] زفر الرجل: اخرج نفسه مع مدّه ايّاه، و الزفرة: التنفس مع مدّ النفس.
[٥] الاسراء، الآية ١٣.
[٦] كمال الدين، ج ٢، ص ٣٥٢، ح ٥٠، باب ٣٣.