تعريب منتهى الآمال في تواريخ النبي و الآل - الميلاني، السيد هاشم - الصفحة ١٨ - الفصل الثالث في عبادته عليه السّلام
و هذا عليّ بن الحسين بقية أبيه الحسين قد انخرم أنفه [١] و نقبت جبهته و ركبتاه و راحتاه أذاب نفسه في العبادة.
(١) فأتى جابر الى بابه و استأذن، فلمّا دخل عليه وجده في محرابه قد أنضته [٢] العبادة، فنهض عليّ فسأله عن حاله سؤالا حفيا [٣]، ثم أجلسه بجنبه ثم أقبل جابر يقول: يا ابن رسول اللّه أ ما علمت أنّ اللّه إنمّا خلق الجنة لكم و لمن أحبّكم و خلق النار لمن أبغضكم و عاداكم، فما هذا الجهد الذي كلّفته نفسك؟
(٢) فقال له عليّ بن الحسين عليه السّلام: يا صاحب رسول اللّه أ ما علمت أنّ جدّي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قد غفر اللّه له ما تقدم من ذنبه و ما تأخر، فلم يدع الاجتهاد له و تعبّد- بأبي هو و أمّي- حتى انتفخ الساق و ورم القدم و قيل له: أ تفعل هذا و قد غفر اللّه لك ما تقدم من ذنبك و ما تأخّر؟
قال: أ فلا أكون عبدا شكورا.
(٣) فلمّا نظر إليه جابر و ليس يغني فيه قول، قال: يا ابن رسول اللّه البقيا على نفسك فانّك من أسرة بهم يستدفع البلاء و بهم تستكشف اللأواء [٤] و بهم تستمسك السماء، فقال: يا جابر لا أزال على منهاج أبويّ مؤتسيا بهما حتى ألقاهما [٥].
(٤) و روي عن الصادق عليه السّلام انّه قال: و لقد دخل أبو جعفر (الباقر عليه السّلام) ابنه عليه فإذا هو قد بلغ من العبادة ما لم يبلغه أحد فرآه و قد اصفرّ لونه من السهر و رمضت [٦] عيناه من البكاء و دبرت جبهته و انخرم أنفه من السجود و قد ورمت ساقاه و قدماه من القيام في الصلاة، فقال أبو جعفر عليه السّلام: فلم أملك حين رأيته بتلك الحال البكاء، فبكيت رحمة له، فإذا هو يفكّر،
[١] انخرم أنفه: أي انشقت وترته فهو أخرم.
[٢] الانضاء: الابلاء و رجل انضته العبادة: أبلته و أهزلته.
[٣] حفيا: احتفى: بالغ في اكرامه.
[٤] اللأواء: الشّدة و المحنة.
[٥] راجع البحار، ج ٤٦، ص ٧٨، ح ٧٥.
[٦] رمضت: أي احترقت.