تعريب منتهى الآمال في تواريخ النبي و الآل - الميلاني، السيد هاشم - الصفحة ٧٣ - في بيان أسر أبي جعفر محمد بن القاسم بن عليّ بن عمر بن الامام زين العابدين عليه السّلام
جردت لك الف فارس من نخبة عسكري، فاخرج و اركض و خذ بين يديك دليلا قد رسمته لصحبتك فإذا صرت على فرسخ واحد من نسّا فافضض الكتاب و اقرأه و اعمل بما فيه.
فخرجت و ضربت بالطبل و وافاني الفرسان جميعا، حتى صرنا في اليوم الثالث الى نسّا على فرسخ منها ففضضت الكتاب فقرأته فإذا يأمرني فيه بالذهاب إليها و أن ألقي القبض على محمد بن القاسم، و فعل ابراهيم بن غسان ما أمر به و ذهب الى المدينة و دخل على محمد و أسره مع أبي تراب و هو من خواص أصحابه فأوثقهما بالقيود ثم رجع الى نيسابور و جاء بمحمد الى عبد اللّه بن طاهر، فلمّا نظر الى محمد بن القاسم و ثقل الحديد عليه قال لإبراهيم: ويلك يا إبراهيم أ ما خفت اللّه في فعلك؟ أ تقيد هذا الرجل الصالح بمثل هذا القيد الثقيل؟
(١) فقال إبراهيم: أيها الأمير خوفك أنساني خوف اللّه، فأمر عبد اللّه بتخفيف قيوده و أقامه عنده ثلاثة أشهر يريد بذلك أن يعمي خبره على الناس، و كان عبد اللّه يخرج من اصطبله بغالا عليها القباب ليوهم الناس انّه قد أخرجه ثم يردّها حتى بعثه مع ابراهيم بن غسان في ليلة ظلماء الى بغداد، فلمّا أراد الخروج به عرض عبد اللّه على محمد كل شيء نفيس من مال و جواهر و غير ذلك فلم يقبل الّا مصحفا جامعا كان لعبد اللّه بن طاهر.
(٢) فلمّا دنوا من بغداد و بلغ ذلك المعتصم، أمر برفع القبة التي وضعوها على محمد و أخذ عمامته و أمر بإدخاله مكشوفا حافيا حاسرا، فدخل محمد بغداد على تلك الهيئة في يوم النيروز سنة (٢١٩) و أصحاب السماجة [١] بين يدي المعتصم يلعبون و الفراغنة يرقصون، فلمّا رآهم محمد بكى ثم قال: اللهم انّك تعلم انّي لم أزل حريصا على تغيير هذا و انكاره، و كان لسانه يلهج بذكر اللّه و تسبيحه فلمّا فرغوا من لعبهم مروا بمحمد بن القاسم على المعتصم فأمر بدفعه الى مسرور الكبير فدفع إليه، فحبس في سرداب شبيه بالبئر فكاد أن يموت فيه، و انتهى ذلك الى المعتصم فأمر بإخراجه منه فأخرج و حبس في قبة في بستان، و جعل عليه جمع يحرسونه [٢].
[١] اصحاب السماجة: السمج هو القبح.
[٢] مقاتل الطالبيين، ص ٣٨٥، مع اختلاف.