تعريب منتهى الآمال في تواريخ النبي و الآل - الميلاني، السيد هاشم - الصفحة ٣٠١ - التاسعة؛ في دخوله على هارون و توقير هارون له
أنفسكم ثم قال لآذنه: ائذن له و لا ينزل الّا على بساطي، فأنا كذلك إذ دخل شيخ مسخّد [١] قد انهكته العبادة، كأنّه شنّ بال قد كلم [٢] السجود وجهه و أنفه، فلمّا رأى الرشيد رمى بنفسه عن حمار كان راكبه، فصاح الرشيد: لا و اللّه الّا على بساطي، فمنعه الحجّاب من الترجّل و نظرنا إليه بأجمعنا بالإجلال و الإعظام.
(١) فما زال يسير على حماره حتى سار إلى البساط و الحجّاب و القوّاد محدقون به، فنزل، فقام إليه الرشيد و استقبله إلى آخر البساط و قبّل وجهه و عينيه و أخذ بيده حتى صيّره في صدر المجلس و أجلسه معه فيه، و جعل يحدّثه و يقبل بوجهه عليه و يسأله عن أحواله، ثم قال له:
يا أبا الحسن ما عليك من العيال؟ فقال: يزيدون على الخمسمائة، قال: أولاد كلّهم؟ قال:
لا أكثرهم موالي و حشم، فامّا الولد في نيّف و ثلاثون، الذكران منهم كذا و النسوان منهم كذا.
(٢) قال: فلم لا تزوّج النسوان من بني عمومتهنّ و اكفائهنّ؟ قال: اليد تقصير عن ذلك، قال:
فما حال الضيعة؟ قال: تعطي في وقت و تمنع في آخر، قال: فهل عليك دين؟ قال: نعم، قال:
كم؟ قال: نحوا من عشرة آلاف دينار، فقال الرشيد: يا بن عمّ أنا أعطيك من المال ما تزوّج به الذكران و النسوان و تقضي الدين و تعمّر الضياع، فقال له: وصلتك رحم يا بن عم [٣]، و شكر اللّه لك هذه النّية الجميلة و الرحم ماسّة، و القرابة واشجة [٤] و النسب واحد، و العباس عمّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و صنو أبيه و عمّ عليّ بن أبي طالب عليه السّلام و صنو أبيه، و ما أبعدك اللّه من أن تفعل ذلك و قد بسط يدك، و اكرم عنصرك و اعلى محتدك [٥].
فقال: افعل ذلك يا أبا الحسن و كرامة، فقال: يا أمير المؤمنين انّ اللّه عز و جل قد فرض
[١] قال الجوهري: أصبح فلان مسخّدا: إذا أصبح مصفرّا ثقيلا مورّما.
[٢] الكلم: الجرح.
[٣] وصلتك رحم، أي صارت الرحم سببا لصلتك لنا، أو دعاء له بأن تصله الرحم و تعينه و تجزيه بما رعى لها، و الأخير أظهر.
[٤] الواشجة: المشتبكة.
[٥] المحتدّ: الأصل.