تعريب منتهى الآمال في تواريخ النبي و الآل - الميلاني، السيد هاشم - الصفحة ٣٠ - الفصل الرابع في جملة من كلماته الشريفة و مواعظه البليغة
لك من زينتها، و أظهرت لك من بهجتها و أبرزت لك من شهواتها، و أخفت عنك من قواتلها و هلكاتها:
و في دون ما عاينت من فجعاتها * * * الى دفعها داع و بالزهد آمر
فجد و لا تغفل و كن متيقظا * * * فعمّا قليل يترك الدار عامر
فشمر و لا تفتر فعمرك زائل * * * و أنت الى دار الاقامة صائر
و لا تطلب الدنيا فانّ نعيمها * * * و ان نلت منها غبة [١]لك ضائر
(١) كم قد غرّت الدنيا من مخلّد إليها، و صرعت من مكب عليها، فلم تنعشه من عثرته و لم تنقذه من صرعته و لم تشفه من ألمه، و لم تبره من سقمه، و لم تخلّصه من وصمه:
بل أوردته بعد عز و منعة * * * موارد سوء ما لهنّ مصادر
فلمّا رأى أن لا نجاة و أنّه * * * هو الموت لا ينجيه منه التحاذر
تندم إذ لم تغن عنه ندامة * * * عليه و أبكته الذنوب الكبائر
(٢) إذ بكى على ما سلف من خطاياه، و تحسر على ما خلّف من دنياه، و استغفر حين لا ينفعه الاستغفار و لا ينجيه الاعتذار، عند هول المنية و نزول البلية:
أحاطت به أحزانه و همومه * * * و أبلس لما أعجزته المقادر
فليس له من كربة الموت فارج * * * و ليس له مما يحاذر ناصر
و قد جشأت خوف المنية نفسه * * * ترددها منه اللها [٢]و الحناجر
(٣) هنالك خف عواده و أسلمه أهله و أولاده و ارتفعت البرية بالعويل و قد أيسوا من العليل، فغمضوا بأيديهم عينيه، و مدّ عند خروج روحه رجليه، و تخلّى عنه الصديق و الصاحب و الشفيق:
فكم موجع يبكي عليه مفجع * * * و مستنجد صبرا و ما هو صابر
[١] غبة: البلغة من العيش.
[٢] اللها: مفردها لهاة: اللحمة المشرفة على الحلق في أقصى سقف الفم.