تعريب منتهى الآمال في تواريخ النبي و الآل - الميلاني، السيد هاشم - الصفحة ٢٤٠ - الفصل الخامس فيما جرى بينه و بين المنصور الدوانيقي
و بامامته و لكنّ الملك عقيم، و قد آليت على نفسي أن لا أمسي عشيّتي هذه أو أفرغ منه.
(١) قال محمد: و اللّه لقد ضاقت عليّ الأرض برحبها ثم دعا سيّافا و قال له: إذا أنا أحضرت أبا عبد اللّه الصادق و شغلته بالحديث و وضعت قلنسوتي عن رأسي فهي العلامة بيني و بينك فاضرب عنقه، ثم أحضر أبا عبد اللّه عليه السّلام في تلك الساعة و لحقته في الدار و هو يحرك شفتيه فلم أدر ما الذي قرأ فرأيت القصر يموج كأنّه سفينة في لجج البحار، فرأيت أبا جعفر المنصور و هو يمشي بين يديه حافي القدمين مكشوف الرأس، قد اصطكّت أسنانه و ارتعدت فرائصه، يحمرّ ساعة و يصفرّ أخرى، و أخذ بعضد أبي عبد اللّه الصادق عليه السّلام و أجلسه على سرير ملكه، و جثا بين يديه كما يجثو العبد بين يدي مولاه.
(٢) ثم قال له: يا ابن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ما الذي جاء بك في هذه الساعة؟ قال: جئتك يا أمير المؤمنين طاعة للّه عز و جل و لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و لأمير المؤمنين أدام اللّه عزّه، قال: ما دعوتك و الغلط من الرسول، ثم قال: سل حاجتك، فقال: أسألك أن لا تدعوني لغير شغل.
قال: لك ذلك و غير ذلك.
(٣) ثم انصرف أبو عبد اللّه عليه السّلام سريعا و حمدت اللّه عز و جل كثيرا و دعا أبو جعفر المنصور الدوايج [١] و نام و لم ينتبه الّا في نصف الليل، فلمّا انتبه كنت عند رأسه جالسا فسرّه ذلك، و قال لي: لا تخرج حتى أقضي ما فاتني من صلاتي فأحدّثك بحديث، فلمّا قضى صلاته أقبل عليّ و قال لي: لمّا أحضرت أبا عبد اللّه الصادق و هممت به ما هممت من السوء رأيت تنّينا قد حوى بذنبه جميع داري و قصري و قد وضع شفتيه العليا في أعلاها و السفلى في أسفلها و هو يكلّمني بلسان طلق، ذلق، عربيّ، مبين:
«يا منصور انّ اللّه تعالى جدّه قد بعثني إليك و أمرني إن أنت أحدثت في أبي عبد اللّه الصادق عليه السّلام حدثا فأنا أبتلعك و من في دارك جميعا» فطاش عقلي و ارتعدت فرائصي و اصطكّت أسناني.
[١] الدوايج: ضرب من الثياب.