تعريب منتهى الآمال في تواريخ النبي و الآل - الميلاني، السيد هاشم - الصفحة ١٧٤ - الفصل الخامس في وفاته عليه السّلام و ما جرى بينه و بين المخالفين
ذلك قوس الشيخ ثم تناول منه سهما، فوضعه في كبد القوس ثم انتزع و رمى وسط الغرض فنصبه فيه، ثم رمى فيه الثانية فشق فواق [١] سهمه الى نصله، ثم تابع الرّمي حتى شقّ تسعة أسهم بعضها في جوف بعض، و هشام يضطرب في مجلسه فلم يتمالك أن قال: أجدت يا أبا جعفر و أنت أرمى العرب و العجم، هلّا زعمت انّك كبرت عن الرمي، ثم أدركته ندامة على ما قال.
(١) و كان هشام لم يكن كنّى أحدا قبل أبي و لا بعده في خلافته، فهمّ به و أطرق الى الأرض إطراقة يتروّى فيه و أنا و أبي واقف حذاءه مواجهين له، فلمّا طال وقوفنا غضب أبي فهمّ به، و كان أبي عليه السّلام إذا غضب نظر الى السماء نظر غضبان يرى الناظر الغضب في وجهه، فلمّا نظر هشام الى ذلك من أبي قال له: إليّ يا محمد، فصعد أبي الى السرير و أنا أتبعه، فلمّا دنا من هشام قام إليه و اعتنقه و أقعده عن يمينه ثم اعتنقني و أقعدني عن يمين أبي.
(٢) ثم أقبل على أبي بوجهه فقال له: يا محمد لا تزال العرب و العجم تسودها قريش ما دام فيهم مثلك، للّه درّك من علّمك هذا الرمي؟ و في كم تعلّمته؟ فقال أبي: قد علمت أنّ أهل المدينة يتعاطونه فتعاطيته ايّام حداثتي ثم تركته، فلمّا أراد أمير المؤمنين منّي ذلك عدت فيه، فقال له: ما رأيت مثل هذا الرمي قط مذ عقلت، و ما ظننت انّ في الأرض أحدا يرمي مثل هذا الرمي، أ يرمي جعفر مثل رميك؟ فقال: إنّا نحن نتوارث الكمال و التمام الذين أنزلهما اللّه على نبيه (صلّى اللّه عليه و آله) في قوله: ... الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً ... [٢].
و الأرض لا تخلو ممّن يكمل هذه الأمور التي يقصر غيرنا عنها.
(٣) قال: فلمّا سمع ذلك من أبي انقلبت عينه اليمنى فاحولّت و احمرّ وجهه و كان ذلك علامة غضبه إذا غضب، ثم أطرق هنيئة ثم رفع رأسه، فقال لأبي: ألسنا بنو عبد مناف نسبا
[١] الفوق: موضع الوتر من السهم.
[٢] سورة المائدة، الآية ٣.