بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١١٨ - المقام الأول في تحقيق الكلام في قبح الفعل المتجرّى به و عدم قبحه عقلا
و ثانيا: إنّ الفاعل كما يحسب حساب العناوين الأولية الّتي هي متعلق غرضه، كذلك يحسب عادة و يلتفت إلى العناوين الّتي يترقب أن تنطبق على فعله و تكون مانعة له عن تحصيل غرضه.
فمثلا: لنفرض إنّ هذا الإنسان عطشان، و هو يقطع أنّ أمامه ماء، و له غرض فيه، إذن هو حينئذ يتوجه إلى عنوان «شرب الماء» لا إلى قطعه بل إلى مقطوعه، و لكن إذا فرضنا انّ هناك عناوين أخرى يترقب أن تكون مانعة له عن تحصيل غرضه، من قبيل أن يكون بينه و بين الماء حاجز مثل برودة الماء الضارة، أو طعمها المؤذي، أو وجود طاغية يمنع من شربها، إلى غير ذلك من الحيثيّات، إذن فهنا لا محالة يلتفت إلى هذه الحيثيّات، و حينئذ، فهو تارة يصدّق بمانعيّة هذه الحيثيّات فيحتاط، و أخرى لا يتحفظ، بل يقتحم هذه العناوين الّتي يحتمل أن تكون مانعة و يشرب حالة كونه ملتفتا إلى هذه العناوين الّتي يترقب أن تكون مانعة له عن شرب الماء، و من جملة هذه العناوين المانعة عن الشرب بالنسبة للمكلّف المتدين القاطع بخمرية هذا المائع، هو كون فعله تجرؤا، و كون حرمة مقطوع الخمرية منجز عليه، و انّ شربه حرام، فيحسب حسابه أيضا، و حينئذ قد يقدم و قد لا يقدم، إذن فعنوان معلوم الحرمة لا بدّ من الالتفات إليه تفصيلا، لا سيّما و انّه مؤمن، ففرضه متعلّق بعدم عصيان المولى، إذن فلا محالة من التفاته إلى كل هذه العناوين و منها عنوان معلوم الحرمة، و هذا الالتفات كاف في أن يكون صدور الفعل منه اختياريا في مقام التجري.
٣- البرهان الثالث: للآخوند (قده) [١] يقول فيه: إنّ التجري لم يصدر من فعل اختياري على الإطلاق، ليتصف بالحسن أو القبح،
[١] كفاية الأصول: الخراساني، ص ٢٦٢.
درر الفوائد: الخراساني، ص ١٣.