بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٩٨ - المقام الأول في تحقيق الكلام في قبح الفعل المتجرّى به و عدم قبحه عقلا
و أمّا رجوعها إلى دعوى إثباتية، فبيانها أن يقال: بأنّنا لا ندرك شيئا واقعيا في الخارج وراء المصالح و المفاسد في الأفعال و إنّما الشيء الّذي نلاحظه هو حكم العقلاء، مدحهم و ذمّهم تبعا للمفسدة و المصلحة، إذن، فالعقلاء يصدرون أحكاما على أساس إدراك المصالح و المفاسد، و عليه فالحسن و القبح حكم من قبل العقلاء ثابت في المصالح و المفاسد في الخارج.
و كأنّ السيّد الخوئي (قده) أراد أن يشكل على هذا المطلب، و يبرهن على واقعية الحسن و القبح، فقال: بأنّ «الحسن و القبح»، لو كانا حكمين مجعولين من قبل العقلاء، إذن فما هو شأن العاقل الأول الّذي وجد قبل وجود العقلاء الكثيرين، حيث أنّنا نسأل: هل انّ هذا العاقل الأول كان له حسن و قبح أم لا؟ فإن قلتم بأنّه كان له، سألناكم حينئذ، كيف تفسّرون هذا الحسن و القبح؟ فهل هو بمعنى إصدار الحكم من قبل العقلاء أم كيف؟ فإنّ هذا لا معنى له في شخص واحد، لأنّه أين الحاكم و المحكوم عليه، مع أنّه يوجد حسن و قبح، إذن فهذا يثبت أنّهما أمران واقعيان لا جعليين، و إلّا فلا بدّ أن يقال بعدم قبح الظلم و حسن العدل في حقّ هذا العاقل الأول، مع انّ هذا خلاف الوجدان.
و هذا الكلام كأنّه ينبغي إرجاعه إلى التكذيب الوجداني لهذه الدعوى الإثباتية، و ذلك بأن يقال: بالعبارة المطمئنة، إنّه بالوجدان ندرك أنّ من وراء ما نواجه من جعول و إنشاءات و مواقف العقلاء، انّ هناك شيء ثابت فوقنا و قضايا واقعية نشعر بها و يدركها العقل العملي عن طريق مجرد الإدراك، و هذا الشيء و هذه القضايا هي «الحسن و القبح»، و هذه دعوى وجدانية صحيحة، و بذلك تكون تكذيبا وجدانيا للبرهان المذكور.
أمّا لو تجاوزنا هذه الدعوى الوجدانية، و أردنا إقامة البرهان على