بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٤٤ - ج- المعنى الثالث هو الحجيّة الأصوليّة
بإثباتها، و هي عبارة عن المعذريّة و المنجزيّة في علاقة العبد مع مولاه في مقام الامتثال، و هذا المعنى هو المبحوث عنه عند الأصولي.
و قد استدلّ بعض العلماء على حجيّة القطع بهذا المعنى بقاعدة قبح الظلم و حسن العدل، بتقريب: انّ العبد إذا قطع بتكليف مولوي، كانت مخالفته لما قطع به ظلم لمولاه، و إذا فرض أنّه قطع بترخيص، كان جريه على طبق ما قطع به، عدل.
و بما أنّ العدل حسن، و الظلم قبيح، فيجب الجري على طبق القطع، و بهذا تثبت منجزيّته و معذريته، و تكون بذلك حجيّة القطع من صغريات قاعدة حسن العدل، و قبح الظلم، و بهذا يكون فاعل الحسن مستحقا للمدح و الثواب، و فاعل القبح مستحقا للذمّ و العقاب، و من هنا اختلفت مبانيهم في حجيّة القطع بحسب اختلافهم في مباني هذه المسألة، فمن جعل منهم قبح الظلم و حسن العدل من الأمور الواقعيّة المدركة عند العقل من قبيل الإمكان، و الامتناع، كانت حجيّة القطع عنده كذلك أيضا، و من ذهب منهم مذهب الفلاسفة، من أنّ حسن العدل، و قبح الظلم حكم عقلائي و إنّما حكم به العقلاء حفظا لنظامهم، كانت حجيّة القطع لديه من القضايا المشهورات كما في مصطلح المناطقة، و هي القضايا المجعولة من قبل العقلاء.
و التحقيق: هو انّ هذا الاستدلال غير منهجي، لأنّه إن أريد بهذا الكلام التنبيه للمرتكزات الموجودة في الأذهان و إلفات الخصم إلى استحقاق الثواب و العقاب في الجري على طبق القطع أو مخالفته فلا بأس بذلك.
و أمّا إذا أريد به الاستدلال على المنجزيّة و المعذريّة، فهذا غير صحيح منهجيا.