بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٨ - ٢- الجهة الثانية هي أنّه لو قطعنا النظر عن نفس التقسيم، و نظرنا نظرة ثبوتية إلى الوظائف من حيث موضوع إجرائها، فهل يختصّ بالأحكام الواقعية المشكوكة، أو أنّه يمكن إجراؤها بلحاظ الأحكام الظّاهريّة المشكوكة
و أمّا بالنسبة لأصالة الاشتغال، فقد يتوهم إمكان إجرائها في الحكم الظّاهري مستقلا، بل قد يقال بضرورة إجرائها في الأحكام الظّاهرية في بعض الأحيان حيث لا يمكن إجراؤها بلحاظ الحكم الواقعي، فحينئذ، لا بدّ من إجرائها في الأحكام الظّاهريّة كما لو قامت الحجّة- «البينة- مثلا-» الّتي هي حجّة ظاهريّة على حرمة أحد مائعين متردّدا بينهما، فهنا تجري أصالة الاشتغال باعتبار العلم الإجمالي، و لا تجري بلحاظ الحكم الواقعي المشكوك، لأنّ الشبهة فيه بدوية، فلا تكون مجرى لأصالة الاشتغال.
إلّا أنّ هذا إنّما يتمّ إذا لاحظنا الحكم الظّاهري، لأنّه لو لاحظنا الحكم الواقعي لما كان عندنا علم إجمالي، لاحتمال خطأ البينة في الواقع، و إنّما العلم الإجمالي موجود بلحاظ الحكم الظّاهري.
و عليه: فجريان أصالة الاشتغال إنّما هو بلحاظ الحكم الظّاهري لا الواقعي.
إلّا أنّ هذا الكلام توهم كما عرفت، إذ بالإمكان إجراء أصالة الاشتغال بالنسبة إلى التكليف الواقعي المشكوك بلا توسيط منجزية العلم الإجمالي بالحكم الظّاهري، و ذلك لأنّ نفس قيام البينة على حرمة أحدهما يوجب سقوط الأصول المؤمّنة الجارية بلحاظ الواقع المشكوك في الطرفين معا، لاستحالة اجتماع مؤمّنين تعيينيين في الطرفين مع الحكم الظّاهري التنجيزي المعلوم بالإجمال في أحد الطرفين، و بعد التساقط يثبت الاشتغال، إمّا لإنكار قاعدة قبح العقاب بلا بيان رأسا، كما هو الصحيح عندنا، أو لأنّ العلم الإجمالي بالحجّة بنفسه يمنع عن جريانها حتّى لو قيل بجريانها في الشّبهات البدوية، لأنّ البيان المأخوذ في موضوع القاعدة أعمّ من العلم بالواقع أو العلم بالحجّة، و هذا وحده كاف فإنّ العلم بالحجة موجب لإجراء أصالة الاشتغال و تنجيز الواقع