بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٦٢ - ٣- المقام الثالث هو دعوى أن يكون القصور المدّعى في الدليل العقلي، من ناحية المنجزية و المعذرية بمعناها الأصولي
الطائفة الّتي تحثّ على العمل بالعقل، و ذلك لأنّ روايات حرمة العمل بالرأي مطلقة، تشمل العقل النظري البرهاني و العقل الفطري بينما الرّوايات الّتي تحثّ على العمل بالعقل، فإنّ المقصود بها هو العقل الفطري الخالي من شوائب الأوهام، و بهذا تكون مخصصة لتلك الرّوايات، و معه تبقى دالة على حرمة العمل بالعقل النظري.
لكن قد يقال: انّ هذه الرّوايات إذا لوحظت من ناحية أخرى، وجدنا أعميّة في عنوان «الرأي» بحيث أنّها تشمل الرأي الظنّي و الرأي القطعي، بينما روايات الحثّ على العمل بالعقل، لا تقتضي حجيّة الرأي الظنّي، و إنّما هي في مقام إمضاء العقل على طبقه، إذ من الواضح أنّ العقل لو خلّي و طبعه لأدرك بنفسه عدم حجيّة الظن، إذن فالنسبة بينهما عموم من وجه أيضا، إذ أنّ روايات النهي عن العمل بالرأي أخصّ، لعدم شمولها الفطريات، لكنّها أعمّ لشمولها الظنون العقلية، و مع كون النسبة بينهما العموم من وجه، إذن، تتعارض الطائفتان ثمّ تتساقطان في مادة الاجتماع، و كل هذا لو فرض صحة هذه الطائفة.
إلّا أنّه عند مراجعة هذه الرّوايات- روايات الحثّ على العمل بالعقل- يتضح عدم تماميتها سندا أو دلالة، فالمهم، التعويل على الطائفة الأولى الدالة على براءة ذمّة العالم إذا عمل بعلمه [١]، حيث أنّها وافية بالغرض مع كونها طرفا للمعارضة بنحو العموم من وجه مع تلك الطائفة الّتي احتجّ بها الأخباريون من النهي عن العمل بالرأي بالنحو الّذي بيّناه، و بعد التساقط لو سلّم التساقط لا يبقى دليل على الردع- مدّعى الأخباري- لا بالوجه المنقول عنهم، و لا بغيره.
و الحاصل هو أنّ الأهم هو، إيقاع المعارضة بين أخبار الرأي،
[١] أصول الكافي: الكليني، باب استعمال العلم، ص ٤٤- ٤٥.