بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٤٩ - ٢- المقام الثاني في العقل العملي
التعويل على إدراكات العقل في باب الحسن و القبح، و أكبر دليل على كثرة الأخطاء فيه هو وقوع الاختلاف في إدراك الحسن و القبح بين النّاس، فما داموا مختلفين في تقويم حقيقة الأفعال و الأشياء من حيث الحسن و القبح، و ما داموا لا يمكن أن يكونوا مصيبين جميعا في وقت واحد، إذن، فلا بدّ و أن يكون فيهم المصيب، و فيهم المخطئ، و هذا برهان كثرة الأخطاء في إدراكات العقل العملي.
و هذا المدّعى بهذا المستوى لا يريد في المقام إنكار الحسن و القبح بما هما صفتان ذاتيتان واقعيتان في الأفعال، قائمتان في نفس الأمر و الواقع، و إنّما يريد أن يشكّك في صلاحية العقل و في صلاحية الكشف العقلي عن هاتين الصفتين، باعتبار كثرة وقوع الأخطاء في إدراك العقل لصفتي الحسن و القبح، إذن، فتشكيك علمائنا المحدّثين إنّما هو بحسب مقام الإثبات لا الثبوت، و هذا بخلاف تشكيك الأشعري، فإنّه تشكيك ثبوتي لا إثباتي، بمعنى أنّه ينكر أصل الحسن و القبح و يعتبرهما من الصفات الجعلية، و هذا هو معنى قوله «الحسن ما حسّنه الشارع، و القبح ما قبّحه الشارع».
إذن، هناك تشكيكان في العقل العملي، و الكلام مع هذين التشكيكين، تارة يكون نقضا عليها، و أخرى حلا، فالكلام إذن في جهتين.
١- الجهة الأولى: هي أنّ هؤلاء المشكّكين بعد أن بنوا على سقوط العقل العملي في مقام الإثبات، كما هو مقتضى التشكيك الأول، و في مقام الثبوت، كما هو مقتضى التشكيك الثاني، نقض عليهم الأعلام بأنّه يلزم من ذلك محذوران.
١- المحذور الأول: هو أنّه كيف نثبت وجوب الطاعة و حرمة المعصية للشارع، فإنّ هذا الوجوب و الحرمة لا يمكن أن يكون بدوره