بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٥٠ - ٢- المقام الثاني في العقل العملي
حكما شرعيا، و إلّا نقلنا الكلام إلى نفس هذا الحكم الشرعي، و سألنا من جديد، أنّه لما ذا تجب طاعته؟ و هكذا، و في مقام الجواب نحن ننتهي إلى أن العقل العملي يستقل بلزوم فعل ما ينبغي، و ترك ما لا ينبغي، و انّ طاعة المولى ممّا ينبغي، و انّ معصيته ممّا لا ينبغي، و بالتالي يحكم باستحقاق المثوبة أو العقوبة، فلو أنّه أنكر الحسن و القبح ثبوتا أو إثباتا لما أمكن ذلك.
و جواب هذا النقض واضح، إذ بناء على مسلك التشكيك الإثباتي- القائلين بأنّ منشأ عدم التعويل على العقل هو كثرة الأخطاء، مع الاعتراف بالحسن و القبح- يمكن أن يدّعى استكشاف «الحسن، و القبح»، أي وجوب الطاعة و حرمة المعصية، من الأدلة الشرعية الواردة عن المعصومين (عليهم السّلام) ممّا دلّ على تقبيح المعصية و حسن الطاعة، فيكون هذا بنفسه كاشفا عن قبح المعصية، و وجوب الطاعة، بلا حاجة إلى التعويل على الدليل عقلي، إذن، الحسن و القبح العقليان موجودان، و هما يستكشفان من كلمات الشارع بعد ثبوت عدم إمكان التعويل على استقلال العقل في ذلك.
و أمّا بناء على مسلك التشكيك الثبوتي، بمعنى إنكار أصل الحسن و القبح الواقعيين، فإنّه حينئذ لا معنى لاستكشاف الحسن و القبح الواقعيين من الدليل الشرعي، لأنّ ما لا واقع له، لا معنى لإثباته بالدليل الشرعي، و لكن حينئذ يقال: لا حاجة لإثبات قبح المعصية، و حسن الطاعة في مقام تحريك العبد نحو الطاعة، بل يكفينا فرض وجود العقاب على المعصية، و الثواب على الطاعة، كما هو لسان بعض الأدلة الشرعية، من «انّ اللّه تعالى يعرّض العاصي لعقاب»، دون حاجة إلى إثبات حسن الطاعة و قبح المعصية، إذ احتمال تعرّض العبد للعقاب و الثواب، كاف في ردعه عن المعصية، و بعثه نحو الطاعة.