بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٧١ - ٣- التنبيه الثالث هو أنّه قد بيّنا أنّ ضابط التجري هو، وجود المنجز، لا خصوص القطع، فمتى ما كان منجز، فالتجري موجود، و متى ما كان مؤمن فالتجري غير موجود
فهنا: مثل هذا الرجاء لا يفيده، إذ بمجرد تنجز حرمته عليه، يكون إقدامه على شربه ظلما للمولى، إذن، فمثل هذا الاستثناء واضح البطلان حيث لا فائدة بذلك الرجاء.
و يستثنى من صورة وجود مؤمّن، كما لو قام دليل شرعي على انّ هذا المائع حلال، لكن المكلّف شربه برجاء أن يكون حراما، فحينئذ، قد يقال: إنّ هذا تجر.
لكن الظاهر أيضا، انّ هذا المكلّف لا يستحقّ العقاب، و هذا له صورتان.
١- الصورة الأولى: هي أن يكون شربه لهذا المائع، مستندا إلى المؤمّن بحيث لولاه لما شربه، و إنّما شربه بعد وجود المؤمّن لاحتمال حرمته، و هذا واضح في عدم كونه تجريا لا في نفسه، و لا في فعله.
٢- الصورة الثانية: هي أن يفرض أنّه ملتفت إلى وجود المؤمن، لكن هو مصرّ و بان على شربه على كلّ حال، سواء وجد مؤمّن أم لا، لشدّة حبّه للمسكر، لكن مع هذا، هو ملتفت إلى الترخيص من قبل الشارع بشربه.
فهنا يوجد تجري، لكن تجري نفسي، باعتبار أنّ قصده لم يكن مربوطا بالمولى، بل مستقلا عنه.
و هذا خلاف ناموس العبودية، باعتبار أنّه يجب عليه أن يبني مواقفه على أساس مواقف المولى، و إن كان في الخارج لم يتحقّق منه تجر أصلا، لأنّه شرب ما أذن به المولى ملتفتا لإذنه، فحاله، حال من يشرب المباحات الواقعية، و هو يبني على شربها حتّى لو حرّمها المولى، فهذه جرأة نفسية فيه لا خارجية. و بهذا تمّ الكلام في التجري.