بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٤٨ - المقام الثالث في حرمة الفعل المتجرى به شرعا
و حينئذ: ننقل الكلام إلى ذاك المتنجز السابق رتبة، فنسأل: هل انّ هذا المتنجز السابق كاف لمحركيّة هذا المكلّف أم لا؟ فإن كان كافيا، إذن فلا حاجة لجعل خطاب ثاني، لأنّه سوف لن يشرب مقطوع الخمرية بنفس محركيّة خطاب لا تشرب الخمر، لأنّه خمر في نظره، و إذا فرض أنّه شقي لا يخاف المولى سبحانه و الخطاب الأول لا يحركه، إذن، الخطاب الثاني سوف لن يحركه، إذن، على أيّ حال، الخطاب الثاني لا أثر له، لأنّه غير قابل للمحركيّة، فيلغو حينئذ.
و جوابه: هو أنّ التجري تارة، يكون في موارد الاحتمال، و أخرى يكون في موارد القطع.
أمّا في موارد الاحتمال، كما لو تنجزت عليه خمرية هو المائع بالاستصحاب مثلا، فهنا لا إشكال في أنّ جعل الخطاب الثاني يكون له محركيّة و أثر كما عرفت، لأنّ الخطاب الثاني يصعّد احتمال الحرمة المنجزة بالاستصحاب إلى درجة القطع بجامع الحرمة، و من الواضح انّ محركيّة مرتبة التنجز الاحتمالي، أقل من محركيّة التنجز القطعي، إذن، فالخطاب الثاني يكون له محركيّة و مصعديّة.
و أمّا إذا فرضنا انّ المتجري كان قاطعا بالحرمة خارجا، فالمتنجز هو قطعي من أول الأمر، فهنا أيضا جعل الخطاب الثاني يكون له أثر عملي، لأنّه ما دام أنّ الخطاب الثاني له ملاك مستقل غير الخطاب الأول كما هو المفروض، و انّ الخطاب الأول ملاكه المفسدة الموجودة في الخمر، و خطاب لا تشرب مقطوع الخمرية ملاكه هو القبح، ففي هذا الفرض، يتأكد لا محالة درجة التنجز، و تشتد درجة استحقاق العقاب حينئذ، كما هو الحال في الخاطبين العرضيّين حين اجتماعهما، كحرمة إيذاء الجار، و حرمة إيذاء الرحم، و كان الجار رحما فأذاه، فهنا لا شكّ أنّ إيذائه أشدّ، و ليس ذلك إلّا لأنّ درجة استحقاق العقاب