المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٤٠٣ - التنبيه الأول استصحاب الكلي (١)
أثره الشرعي بما له من الخصوصية الفردية (١). و هذا لا خلاف فيه.
و أما القسم الثاني: فالحق فيه أيضا: جريان الاستصحاب بالنسبة إلى الكلي، و أما بالنسبة إلى الفرد فلا يجري قطعا؛ بل الفرد يجري فيه استصحاب عدم خصوصية الفرد، ففي المثال المتقدم: يجري استصحاب كلي الحدث بعد الوضوء فلا يجوز له مس المصحف، أما بالنسبة إلى خصوصية الفرد فالأصل عدمها، فما هو من آثار خصوص الجنابة مثلا لا يجب الأخذ بها، فلا يحرم قبل الغسل ما يحرم على الجنب من نحو دخول المساجد و قراءة العزائم كما تقدم.
و لأجل بيان صحة جريان الاستصحاب في الكلي في هذا القسم الثاني و حصول أركانه لا بد من ذكر ما قيل أنه مانع من جريانه و الجواب عنه. و قد أشار الشيخ إلى وجهين في المنع و أجاب عنهما، و هما كل ما يمكن أن يقال في المنع.
الأول: قال: (و توهم عدم جريان الأصل في القدر المشترك من حيث دورانه بين ما هو مقطوع الانتفاء و ما هو مشكوك الحدوث و هو محكوم الانتفاء بحكم الأصل).
توضيح التوهم: إن أهم أركان الاستصحاب هو اليقين بالحدوث و الشك في البقاء، و في المقام إن حصل الركن الأول و هو اليقين بالحدوث، فإن الركن الثاني و هو الشك في البقاء غير حاصل؛ وجه ذلك: إن الكلي لا وجود له إلّا بوجود أفراده، و من الواضح: أن وجود الكلي في ضمن الفرد القصير مقطوع الارتفاع في الزمان الثاني وجدانا، و أما وجوده في ضمن الفرد الطويل فهو مشكوك الحدوث من أول الأمر و هو منفي بالأصل، فيكون الكلي مرتفعا في الزمان الثاني إما وجدانا أو بالأصل تعبدا، فلا شك في بقائه (٢).
و الجواب: إن هذا التوهم فيه خلط بين الكلي و فرده، أو فقل: فيه خلط بين ذات الحصة في الكلي، أي: ذات الكلي الطبيعي و بين الحصة منه بما لها من الخصوصية
(١) كما لو كان الأثر مترتبا على وجود زيد في المسجد بأن قيل: صلّ ما دام زيد موجودا في المسجد؛ جرى استصحاب الكلي.
(٢) و بعبارة أخرى نقول: لا وجود للكلي إلّا بوجود أفراده، و حيث أننا نعلم بدخول أحد شخصين إلى المسجد قبل ساعة، إما زيد، و إما خالد، غير أن زيدا فعلا نراه خارج المسجد، فإذا كان هو الداخل فقد خرج، و أما وجود الكلي في ضمن وجود خالد فإنه لا يقين بوجوده تعبدا سابقا فهو إذا: مشكوك الحدوث، و هو منفي بالأصل، فيكون الكلي مرتفعا إما وجدانا أو بالأصل تعبدا.