المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٣٤٤ - تمهيد
فذاك هو كل المطلوب و هو أقصى ما يرمي إليه المجتهد الباحث و يطلب منه، و لكن هذا فرض لم يتفق حصوله لواحد من المجتهدين، بأن تحصل له الأدلّة على الأحكام الإلزامية كلها، لعدم توفر الأدلّة على الجميع.
و أما إذا فحص و لم تتم له إقامة الحجة إلّا على جملة من الموارد، و بقيت لديه موارد أخرى يحتمل فيها ثبوت التكليف و يتعذر فيها إقامة الحجة- لأي سبب كان (١)- فإن المكلف يقع لا محالة في حالة من الشك تجعله في حيرة من أمر تكليفه.
فما ذا تراه صانعا؟
هل هناك حكم عقلي يركن إليه و يطمئن بالرجوع إلى مقتضاه؟
أو أن الشارع قد راعى هذه الحالة للمكلف لعلمه بوقوعه فيها، فجعل له وظائف عملية يرجع إليها عند الحاجة و يعمل بها لتطمينه من الوقوع في العقاب؟
هذه أسئلة يجب الجواب عنها.
و هذا المقصد الرابع وضع للجواب عنها، ليحصل للمكلف اليقين بوظيفته التي يجب عليه أن يعمل بها عند الشك و الحيرة.
و هذه الوظيفة أو الوظائف هي التي تسمى عند الأصوليين بالأصل العملي، أو القاعدة الأصولية، أو الدليل الفقاهتي.
و قد اتضح لدى الأصوليين: أن الوظيفة الجارية في جميع أبواب الفقه من غير اختصاص بباب دون باب (٢) هي على أربعة أنواع:
(١) إن تعذر إقامة الحجة قد يحصل من جهة فقدان الدليل، و قد يحصل من جهة إجماله، و قد يحصل من جهة تعارض الدليلين و تعادلهما من دون مرجح لأحدهما على الآخر. (المصنف).
(٢) لما ذا الاهتمام بالأصول الأربعة دون سواها، مع أنه توجد أصول أخرى كأصالة الطهارة مثلا و غيرها من الأصول ... لما ذا هذا الحصر؟ الجواب: كما ذكره صاحب المتن: لأن الأصول الأربعة هذه عامة تجري في الشبهات الحكمية و الموضوعية، و في كل كتاب من الفقه، و في كل باب من أبواب الفقه، أما غيرها من الأصول: فإن عم الشبهة الحكمية و الموضوعية اختص باب واحد من أبواب الفقه كأصل الطهارة فإنه خاص بباب الطهارة فقط دون غيرها. و مثال آخر: أصالة الصحة فإنها أصل إلّا أنه خاص بالشبهة الموضوعية وحدها و هي فعل الإنسان. و لذا اهتم العلماء بالأصول الأربعة دون سائر الأصول لشموليتها لجميع الأبواب و الكتب الفقهية.