المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٢١٣ - وجه حجية الظهور (٣)
قطعيتين، على نحو ما تقدم في الدليل على حجية خبر الواحد من طريق بناء العقلاء. و تفصيلهما هنا أن نقول:
المقدمة الأولى (١): إنه من المقطوع به- الذي لا يعتريه الريب- أن أهل المحاورة من العقلاء قد جرت سيرتهم العملية و تبانيهم في محاوراتهم الكلامية على اعتماد المتكلم على ظواهر كلامه في تفهيم مقاصده، و لا يفرضون عليه أن يأتي بكلام قطعي في مطلوبه لا يحتمل الخلاف. و كذلك- تبعا لسيرتهم الأولى- تبانوا أيضا على العمل بظواهر كلام المتكلم و الأخذ بها في فهم مقاصده، و لا يحتاجون في ذلك إلى أن يكون كلامه نصا في مطلوبه لا يحتمل الخلاف.
فلذلك يكون الظاهر حجة للمتكلم على السامع يحاسبه عليه و يحتج به عليه لو حمله على خلاف الظاهر، و يكون أيضا حجة للسامع على المتكلم يحاسبه عليه و يحتج به عليه لو ادعى خلاف الظاهر. و من أجل هذا: يؤخذ المرء بظاهر إقراره و يدان به و إن لم يكن نصا في المراد.
المقدمة الثانية (٢): إن من المقطوع به أيضا: إن الشارع المقدس لم يخرج في محاوراته و استعماله للألفاظ عن مسلك أهل المحاورة من العقلاء في تفهيم مقاصده بدليل: أن الشارع من العقلاء بل رئيسهم، فهو متحد المسلك معهم، و لا مانع من اتحاده معهم في هذا المسلك، و لم يثبت من قبله ما يخالفه.
(١) و ملخص المقدمة الأولى: استقرار طريقة العقلاء على اتباع الظهورات.
(٢) و ملخص المقدمة الثانية: القطع بإمضاء الشارع لهذه السيرة، و الدليل على هذا الإمضاء هو: عدم ردعهم عنها باختراع طريقة أخرى في مقام إفادة مرامه، و عدم الردع في مثله يوجب القطع بالإمضاء بعد وضوح عدم مانع عن الردع.
و لا إشكال في تسليم المقدمتين و تماميتها. أما الأولى، فلبداهة بناء العقلاء على الأخذ بالظواهر و كشفها عن المرادات الجدية للمتكلم، و لذا لا يقبل اعتذار العبد الذي يخالف ظاهر كلام مولاه، بعدم علمه بكون الظاهر مرادا جديا له.
و أما الثانية، فلوضوح كون الطريق الموصل لجل الأحكام هو الألفاظ، فلو كانت هذه الطريقة مردوعة عنده لكان اللازم إحداث طريقة أخرى، و التالي باطل فالمقدم مثله [١].
[١] راجع: منتهى الدراية، ج ٤، ص ٢٧٨.