المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٩٧ - ٣- الخبر المتواتر
و السر في ذلك واضح، لأن الخبر ذا الوسائط يتضمّن في الحقيقة عدّة أخبار متتابعة، إذ أن كل طبقة تخبر عن خبر الطبقة السابقة عليها، فحينما يقول جماعة:
حدثنا جماعة عن كذا بواسطة واحدة مثلا، فإن خبر الطبقة الأولى الناقلة لنا يكون في الحقيقة خبرها ليس عن نفس الحادثة بل عن خبر الطبقة الثانية عن الحادثة.
و كذلك إذا تعددت الوسائط إلى أكثر من واحدة فهذه الوسائط هي خبر عن خبر حتى تنتهي إلى الواسطة الأخيرة التي تنقل عن نفس الحادثة، فلا بدّ أن يكون الجماعة الأولى خبرها متواترا عن خبر متواتر عن متواتر و هكذا، إذ كل خبر من هذه الأخبار له حكمه في نفسه. و متى اختل شرط التواتر في طبقة واحدة خرج الخبر جملة عن كونه متواترا و صار من أخبار الآحاد.
عن النبي (صلى الله عليه و آله) متواترة من قبيل حديث «من كذّب عليّ متعمّدا فليتبوأ مقعده من النار»، قالوا: هذا حديث متواتر. نحن نؤمن أيضا بأن حديث الغدير حديث متواتر بألفاظه يعني: نفس هذه الألفاظ تواترت.
- أما إذا فرضنا إن المحور المشترك ليس قضيّة لفظيّة معيّنة و إنما معنى من المعاني و الإخبارات لا تشترك في اللفظ في مقام الإخبار عن ذلك المعنى الواحد، و إنما هي كلها تعبّر عن ذلك المعنى لكن بألفاظ مختلفة. هذا التواتر نسمّيه بالتواتر المعنوي. من قبيل تواتر الأخبار في مقام الإخبار عن شجاعة الإمام علي أمير المؤمنين (عليه السلام) لأنه إخبار. هذه القضيّة المشتركة نحن فهمناها من مجموع أخبار مختلفة بالألفاظ.
- و تارة: نفترض إن المحور المشترك ليس هو لفظا معيّنا، و لا هو معنى معينا و إنما هو لازم منتزع من مجموع الإخبارات. هذا نسميه بالتواتر الإجمالي. مثاله: أن يلاحظ الفقيه أحاديث كثيرة متعدّدة في قضايا مختلفة، مثلا: يلاحظ أحاديث كتاب الوسائل بأجمعها حينئذ يقطع بأن هذه الأحاديث فيها على الأقل حديث واحد صادق لكن أي واحد؟ هو لا يدري. فهذا هو التواتر الإجمالي. فلازم هذه الأحاديث الكثيرة صدق واحد منها على الأقل؛ لأن احتمال كذب جميع هذه الأخبار (الأحاديث) احتمال غير معتد به و غير عقلانيّ، فصحة خبر واحد على الأقل و صلت إلى اليقين، و هذا إنما وجد من وجود أحاديث كثيرة مختلفة لفظا و معنى، أي: مختلفة في ألفاظها و في معانيها، فهي غير مشتركة في محور لفظي و لا معنويّ، و إنما لازم مجموعها وجود و لو حديث واحد صادق لاستحالة كذب الجميع. و استحالة كذب جميعها يعني: حصول صدق و لو واحد منها على الأقل، فصحة واحد على الأقل منتزع من مجموع هذه الأخبار. هذا يسمّى بالتواتر الإجمالي فيقال: أن صحّة و لو حديث واحد من كتاب الوسائل متواتر و لو تواترا إجماليّا» [١].
[١] تقريراتي لدروس فضيلة الأستاذ الشيخ هادي آل راضي على الحلقة الثالثة.