المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٩٥ - ٣- الخبر المتواتر
اصطلاح الأصوليين، و إن كان المخبر أكثر من واحد، و لكن لم يبلغ المخبرون حد التواتر.
هؤلاء) ناتج ضرب قيمة احتمال الكذب في أحد المخبرين بقيمة احتماله في المخبر الآخر، و كلما ضربنا قيمة احتمال بقيمة احتمال آخر، تضاءل الاحتمال، لأن قيمة الاحتمال تمثل دائما كسرا محددا من رقم اليقين. فإذا رمزنا إلى رقم اليقين بواحد، فقيمة الاحتمال (أي: احتمال الكذب) هي أو ... أو أيّ كسر آخر من هذا القبيل، و كلما ضربنا كسرا بكسر آخر خرجنا بكسر أشد ضآلة.
و إذا ضربنا فإن أقل من، و أن أقل من و هكذا كلما ضربنا كسرا بكسر آخر خرجنا بكسر أشد ضآلة من الآخر كما هو واضح.
و في حالة وجود مخبرين كثيرين لا بدّ من تكرار الضرب بعدد إخبارات المخبرين لكي نصل إلى قيمة احتمال كذبهم جميعا، و يصبح هذا الاحتمال ضئيلا جدا، و يزداد ضآلة كلما ازداد المخبرون حتى يزول عمليا، بل واقعيا لضآلته، و عدم إمكان احتفاظ الذهن البشري بالاحتمالات الضئيلة جدّا.
و يسمى حينئذ ذلك العدد من الإخبارات التي يزول معها هذا الاحتمال عمليا أو واقعيا بالتواتر، و يسمى الخبر بالخبر المتواتر.
«و من الواضح أن الأخبار تختلف بلحاظ سرعة حصول اليقين و زوال احتمال الكذب، و بطئه. و هناك عوامل تؤثر في سرعة الاحتمال و وصوله إلى مرحلة اليقين، و هناك عوامل بالعكس بأن تؤثر في بطء حصول هذا اليقين و زوال احتمال الكذب. و واضح أن العامل الكميّ يتدخل لكن ليس هناك عدد معيّن يمكن أن نأخذه كميزان في تحقق التّواتر، فإذا قلنا: لا بدّ من التعدّد لا يعني ذلك أن هناك عددا معيّنا كميزان للتواتر. فمثلا: إخبار عشرة أشخاص قد يقال عادة إنّه لا يحقق التّواتر إلّا بالقرائن الخارجيّة، و نحن كلامنا ليس مع القرائن الخارجيّة بل كلامنا مع ذات الخبر المتعدّد بدون القرائن، و ممّا لا شك فيه: أن الاحتمال يختلف باختلاف أحوال المخبرين، فمثلا: عدالة المخبرين تؤدي إلى سرعة حصول اليقين، كما أن سرعة حصول اليقين تختلف باختلاف نوع المخبر عنه (أي: نفس الواقعة التي يخبر عنها). هذا يؤثر في سرعة نمو الاحتمال و بطئه. و هذه الخصائص موجودة في المخبر عنه، و يمكن أن نقسمها إلى قسمين:
القسم الأول: خصائص عامّة تؤثر في هذا الشيء.
القسم الثاني: خصائص نسبية تؤثر في ذلك الشيء.
و كل هذه الخصائص من القيمتين خصائص المخبر عنه. و المراد بالخصائص العامّة هي: الخصائص الموجودة في المخبر عنه بقطع النظر عن المخبر. و هذه الخصائص بلا إشكال تؤثر في زيادة الاحتمال أو بطئه. من قبيل أن تكون الواقعة المخبر عنها واقعة اعتياديّة طبيعيّة، فهذه عند ما تقع فإنها ستؤدي إلى تسريع حصول اليقين و زوال الكذب. بخلاف ما إذا كانت الواقعة من الأمور النّادرة فمثلا: لو أخبرنا أحد بقدوم زيد من الحج بعد انتهاء موسم الحج هذا شيء طبيعي و اعتيادي؛ لأنّ زيدا يأتي عادة بعد انتهاء موسم الحج بينما لو أخبرنا بحضور زيد من الحج يوم الثاني عشر من ذي الحجّة فالسامع يكذب ذلك، و تكون قيمة الصّدق في هذا الخبر تكون ضئيلة بسبب غرابته، بينما قيمة احتمال الكذب