المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٥٩ - ١١- اشتراك الأحكام بين العالم و الجاهل
و (الدليل على هذا الاشتراك)- مع قطع النظر عن الإجماع و تواتر الأخبار- واضح، و هو أن نقول:
١- إن الحكم لو لم يكن مشتركا لكان مختصا بالعالم به، إذ لا يجوز أن يكون مختصا بالجاهل به، و هو واضح.
٢- و إذا ثبت أنه مختص بالعالم، فإن معناه تعليق الحكم على العلم به.
٣- و لكن تعليق الحكم على العلم به محال، لأنه يلزم منه الخلف (١).
٤- إذا: يتعين أن يكون مشتركا بين العالم و الجاهل.
(بيان لزوم الخلف): إنه لو كان الحكم معلقا على العلم به كوجوب الصلاة مثلا، فإنه يلزمه- بل هو نفس معنى التعليق- عدم الوجوب لطبيعي الصلاة، إذ الوجوب يكون حسب الفرض للصلاة المعلومة الوجوب بما هي معلومة الوجوب، بينما إن تعلق العلم بوجوب الصلاة لا يمكن فرضه إلّا إذا كان الوجوب متعلقا بطبيعي الصلاة. فما فرضناه متعلقا بطبيعي الصلاة لم يكن متعلقا بطبيعيها، بل بخصوص معلوم الوجوب.
و هذا هو الخلف المحال.
و ببيان آخر في وجه استحالة تعليق الحكم على العلم به نقول: إن تعليق الحكم على العلم به يستلزم منه المحال، و هو استحالة العلم بالحكم،
فيها العالم و الجاهل، و بناء على معنى التصويب المذكور: لا يكون هناك حكم واحد مشترك بين العالم و الجاهل بل الحكم الفعلي هو ما دلت عليه الأمارة، سواء طابقت الحكم الواقعي أو أخطأته، فما دلت عليه الأمارة، و إن كانت مخالفة للحكم الواقعي يكون فعليا في حق المكلف.
(١) بل يلزم منه الدور. و حاصله: إن الحكم إذا كان ثابتا لخصوص العالم: كان معنى ذلك توقف الحكم على العلم به، و العلم موقوف على وجود الحكم، فيلزم أن ثبوت الحكم موقوف على ثبوت الحكم و هذا هو الدور.
و في مقام الرد على هذا الإشكال نقول: صحيح هذا المحذور إذا قلنا بتقييد الحكم الفعلي (المجعول) بالعلم بنفس الحكم الفعلي (المجعول).
و أما إذا قلنا بتقييد الحكم الفعلي بالعلم بالتشريع المعبّر عنه بتقييد المجعول بالعلم بالجعل (أي: الحكم الإنشائي). و نحن نشعر بالوجدان. إن هذه الصورة ممكنة بأن يقيد الحكم الفعلي بالعلم بالتشريع، فيقول المولى: إذا علمت بتشريع الحكم كان ثابتا عليك بالفعل، أي: إذا اطلعت على تشريع الوجوب للحج وجب عليك حينذاك الحج. و هذه الصورة ممكنة كما قلنا و لا يلزم منها محذور الدور.