المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٤٥٢ - ٣- الحديث المشهور بحديث الرفع المأثور
و من الثمرات المترتبة على المختار: دفع الإيراد عن شمول الحديث لجانب الترك عند الإكراه أو الاضطرار إليه، حيث يقال: رفع الترك مساوق لوضع الفعل، و الحديث لا ينظر إلى الوضع، و إنما هو ناظر إلى الرفع، فيمكن الفرار من محذور تعلق الاضطرار بالترك، إذ على المختار في المدرج الأول لا ضير في شمول الرفع للثبوت التشريعي المنطبق على الترك المضطر إليه.
مثاله: لو نذر أن يشرب من ماء زمزم فاضطر إلى ترك الشرب فالمرفوع هو الثبوت التشريعي للترك المضطر إليه، و معناه رفع أثره تفضلا و امتنانا و هو وجوب الكفارة، لا إن معناه هو رفع الترك كي يكون مساوقا مع وضع الشرب المضطر إلى تركه فإنه أثر باطل.
و من الثمرات: التصوير الصحيح لحكومة (١) هذا الحديث على أدلة الأحكام الأولية و ذلك بلحاظ نظره و تعرضه عناية إلى حيثية عقد حملها، فيكون الرفع المسند إلى الموضوعات التسعة على طراز قوله (صلى الله عليه و آله): «لا رهبانية في الإسلام» (٢).
و من المعلوم: أن النفي في النص راجع بالنتيجة إلى المشروعية التي هي حكم منفي حقيقة بنفي ثبوت الموضوع (الرهبانية) تشريعا، فعلى هذا التصوير يكون الرفع المنصب على ذوات الموضوعات المرفوعة ناظرا إلى عقد الحمل لأدلة الأحكام الأولية.
و معنى النظر: هو طردها عن هذه الموارد تشريعا بعناية طرد الوجود التشريعي على النحو المناسب لذوات المرفوعات، ففي: «ما لا يعلمون» المناسب هو رفع الشيء المجهول عن موطن التشريع، و برفعه يرفع الحكم تعبدا عن عقد الحمل للدليل الأولي.
و الحكومة هذه تستبطن رفع إيجاب الاحتياط و التحفظ ظاهرا عن المورد المشكوك إلى أن يرتفع الجهل، و بذلك يثبت جواز الاقتحام في الشبهة و عدم استحقاق العقاب عليه لو ثبت مخالفته مع الحكم الواقعي الذي هو مدلول الدليل الأولي، فالحكم الواقعي- لو كان- يصبح محكوما بحديث الرفع عناية.
و فيما «لا يطيقون» المرفوع هو الثبوت التشريعي للفعل الواصل إلى حد الحرج؛ كتكليف المكلف بشيء لا يطيق امتثاله كإرادة الامتثال التفصيلي في التكاليف
(١) لا الورود و لا التخصيص، تقدم الفرق بينها و كذا كيفية حكومة الأمارات على الأصول العملية في الجزء الثالث من كتابنا هذا. (المصنف).
(٢) نهاية ابن الأثير ٢: ٢٨٠.