المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٤٢٩ - أصل البراءة في لسان العقل و الإجماع (١)
و استحقاقه على شيء من دون بيان حكمه من المولى أمر ضروري، و شاهده حكم
الشبهة البدوية بعد الفحص التام عن مظانّ وجود الأدلّة، و عدم وجدانها من الشبهة المقرونة بالعلم الإجمالي أو الشبهة البدوية قبل الفحص.
و لكن ربما يقال: أن الشبهة بإطلاقها تشمل الشبهة البدوية قبل الفحص، فمن الأمر بالوقوف عندها مطلقا، سواء كانت قبل الفحص أو بعده، و سواء كانت مقرونة بالعلم الإجمالي أو لم تكن كذلك، مع حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان نستكشف إيجاب الاحتياط في الشبهة البدوية في الرتبة السابقة على الأمر بالوقوف عندها.
و ذلك بدلالة الاقتضاء لتصحيح التعليل بأنّ عدم الوقوف عندها اقتحام في الهلكة، مع كون الهلكة بمعنى: العقوبة كما هو المفروض، فالروايات الواردة بهذا المضمون تدل على وجوب الاحتياط بالطريق الذي بينّا.
و فيه: أن هذا البيان مستلزم للدور، لتوقف إحراز الإطلاق في الشبهة، بحيث تشمل الشبهة البدوية قبل الفحص على العلم بإيجاب الاحتياط في الرتبة السابقة على الأمر بالوقوف، و المفروض: أنّ العلم بإيجاب الاحتياط موقوف على إحراز الإطلاق.
الطائفة الثالثة: ما دلّ على وجوب الاحتياط و عدم المضي في الشبهات، و هي أيضا كثيرة، تبلغ حدّ الاستفاضة:
منها: ما في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجّاج، قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجلين أصابا صيدا و هما محرمان، الجزاء بينهما أو على كلّ واحد منهما جزاء؟
قال (عليه السلام): «بل عليهما أن يجزي كلّ واحد منهما الصيد». قلت: إنّ بعض أصحابنا سألني عن ذلك، فلم أدر ما عليه؟ قال (عليه السلام): «إذا أصبتم بمثل هذا، و لم تدروا فعليكم الاحتياط، حتى تسألوا عنه و تعلموا» [١]. و منها: ما في موثقة عبد اللّه بن وضاح، قال: كتبت إلى العبد الصالح:
يتوارى منّا القرص، و يقبل الليل، و يزيد الليل ارتفاعا، و يستر عنّا الشمس، و يرتفع فوق الجبل الحمرة، و يؤذّن عندنا المؤذّنون، فأصلّي و أفطر إن كنت صائما أو أنتظر حتى تذهب الحمرة؟
فكتب (عليه السلام): «أرى لك أن تنتظر حتى تذهب الحمرة و تأخذ بالحائطة لدينك» [٢].
و منها: ما عن المفيد الثاني (قدس سره) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام) لكميل: «أخوك دينك، فاحتط لدينك بما شئت» [٣]. و قوله (عليه السلام): «ليس بناكب عن الصراط من سلك سبيل الاحتياط» [٤].
و الجواب عن الأول أما أولا: فالشبهة وجوبية، لا يقول الأخباري أيضا بوجوب الاحتياط فيها، و ثانيا:
مفاده الوقوف و عدم الإفتاء بغير علم، و الأصولي أيضا لا يقول بجواز الإفتاء بغير علم، و ثالثا: هذا
[١] وسائل الشيعة، ج ١٣، ص ٤٦، كتاب الحج، أبواب كفارات الصيد، الباب ١٥، ح ٦.
[٢] وسائل الشيعة، ج ٤، ص ١٧٦، كتاب الصلاة، أبواب المواقيت، الباب ١٦، ح ١٤.
[٣] وسائل الشيعة، ج ٢٧، ص ١٦٨، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب ١٢، ح ٤٦.
[٤] جامع أحاديث الشيعة، ج ١، ص ٣٩٦، أبواب المقدمات، الباب ٨، ح ٢٩.