المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٣٩٠ - ٥- مكاتبة علي بن محمد القاساني (٢)
إن سندها غير سليم) (١)، و ذكر في وجه دلالتها: (إن تفريع تحديد كل من الصوم و الإفطار على رؤية هلالي رمضان و شوال لا يستقيم إلّا بإرادة عدم جعل اليقين السابق مدخولا بالشك، أي: مزاحما به) (٢).
و قد أورد عليه صاحب الكفاية بما محصله مع توضيح منّا: إنا نمنع من ظهور هذه الرواية في الاستصحاب فضلا عن أظهريتها، نظرا إلى أن دلالتها عليه تتوقف على أن
الشك في آخره، فإنه يبنى على بقائه حتى يحصل العلم بدخول شوال. و على كل تقدير: تدل المكاتبة على اعتبار الاستصحاب، فلا يجوز الصوم بنية شهر رمضان إلّا بالعلم بدخول الشهر، و يحرم الإفطار إلّا بالعلم بدخول شوال. ثم أن الشيخ الأنصاري في رسائله جعل هذه المكاتبة أظهر الأخبار الدالة على حجّية الاستصحاب لأمور، منها: كون اللام في «اليقين» للجنس، لعدم سبق ما يوجب احتمال العهد فيه، كما كان في صحاح زرارة من اليقين بالوضوء أو بالطهارة من الخبث أو بعدم الإتيان بالركعة الرابعة. و منها: إن احتمال إرادة اليقين بالبراءة المتطرق في الصحيحة الثالثة و في موثقة عمار مما لا مجال له هنا، كما أن إرادة قاعدة اليقين المتقدمة في حديث الأربعمائة غير محتملة هنا، لعدم وجود الفعل الماضي و «فاء» العاطفة الدالين على السبق و اللحوق.
و منها: أن الإمام (عليه السلام) ألقى الكبرى «اليقين لا يدخله الشك» و فرّع عليه وجوب الصوم للرؤية و الإفطار كذلك، و هذا التفريع ظاهر في عدم خصوصية للصوم و الإفطار، و إنما المناط كله يكون في حرمة نقض اليقين عملا بالشك و هو كبرى الاستصحاب. و لو لم يكن مقصوده (عليه السلام) بيان حجية الاستصحاب لكان يكتفي في الإجابة عن السؤال بقوله: «صم للرؤية و أفطر للرؤية»، فعدم دخول الشك في اليقين و عدم مزاحمته له و عدم نفوذه فيه لا يدل إلّا على الاستصحاب» [١].
(١) إلى أن قال الشيخ الأنصاري (قدس سره): «هذه جملة ما وقفت عليه من الأخبار المستدل بها للاستصحاب، و قد عرفت عدم ظهور الصحيح منها، و عدم صحّة الظاهر منها، فلعل الاستدلال بالمجموع باعتبار التجابر و التعاضد».
(٢) و بعبارة واضحة أكثر نقول: إن شيخنا الأعظم (قدس سره) جعل هذه المكاتبة أظهر الأخبار الدالة على حجية الاستصحاب قائلا: بأن الإمام (عليه السلام) ألقى كبرى «اليقين لا يدخله الشك» و فرع عليه وجوب الصوم للرؤية و الإفطار كذلك، و هذا التفريع ظاهر في عدم خصوصية للصوم و الإفطار، و إنما المناط كله يكون في حرمة نقض اليقين عملا بالشك و هو كبرى الاستصحاب، و لو لم يكن مقصوده (عليه السلام) بيان حجية الاستصحاب لكان يكتفي في الإجابة عن السؤال بقوله: «صم للرؤية و أفطر للرؤية»، فعدم دخول الشك في اليقين و عدم مزاحمته له و عدم نفوذه فيه لا يدل إلّا على الاستصحاب. و بهذا يظهر صحة ما أفاده المصنف في الصحيحة الأولى من إن إسناد النقض إلى اليقين ليس بلحاظ المتيقن، و إنما هو لثبات اليقين و استحكامه مهما كان متعلقه. [منتهى الدراية في توضيح الكفاية للسيد محمد جعفر الجزائري المروج].
[١] راجع: منتهى الدراية في توضيح الكفاية، ج ٨، ص ٢٠٩.