المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٣٨٤ - ٢- صحيحة زرارة الثانية (١)
الثانية: قوله أخيرا: «فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك» و دلالتها كالفقرة الأولى ظاهرة على ما تقدم في الصحيحة الأولى من ظهور كون اللام في اليقين لجنس اليقين بما هو يقين. و هذا المعنى هنا أظهر مما هو في الصحيحة الأولى.
الثالثة: قوله: «حتى تكون على يقين من طهارتك»، فإنه (عليه السلام) إذ جعل الغاية حصول اليقين بالطهارة من غسل الثوب في مورد سبق العلم بنجاسته، يظهر منه أنه لو لم يحصل اليقين بالطهارة فهو محكوم بالنجاسة لمكان سبق اليقين بها.
و لكن الاستدلال بهذه الفقرة مبني على: إن إحراز الطهارة ليس شرطا في الدخول في الصلاة، و إلّا لو كان الإحراز شرطا فيحتمل أن يكون (عليه السلام) إنما جعل الغاية حصول اليقين بالطهارة لأجل إحراز الشرط المذكور، لا لأجل التخلص
و هذا الاحتمال و الاستفادة المطروحة من المقطع لا يفترض شك لا قبل الصلاة و لا بعد الصلاة، فإن قبل الصلاة يوجد قطع بعدم النجاسة، و بعد الصلاة يوجد قطع بأن النجاسة هي نفس ما فحص عنها سابقا، إذا: هذه الاستفادة تنتفي لأنها خلاف ظاهر الرواية.
الاحتمال الثاني: يفرض وجود يقين و شك، أي: يفرض أن المكلف حصل له اليقين عند الفحص و عدم وجدان النجاسة، و هذا مستفاد من قول السائل: (فنظرت و لم أر شيئا ...) ثم حصل له شك بأن هذه النجاسة هل هي نفس ما فحص عنها سابقا أم لا؟ و بمجرد هذا الشك ينتفي اليقين السابق، أي: أن يقينه بعدم النجاسة الموجود بعد الفحص قبل الصلاة يتزلزل، يعني: لا يستطيع أن يقول: أنا فعلا عندي يقين بعدم النجاسة قبل الصلاة.
إذا: الشك في هذه الحالة يسري إلى اليقين. هنا مورد لتطبيق قاعدة اليقين القائلة بالبناء على الحالة السابقة، و يصير أجنبيا عن الاستصحاب.
الاحتمال الثالث: و يحتمل أن يكون المراد باليقين هو الحاصل قبل ظن الإصابة، فيكون قوله: (فلم أر شيئا) كناية عن عدم العلم بالإصابة- لا العلم بعدم الإصابة كما هو مقتضى الاحتمال الثاني- و المراد بالشك هو: احتمال وقوع النجاسة بعد ذلك اليقين، فإذا كان عالما بالطهارة الثوب قبل الصلاة بساعتين مثلا ثم ظن بالإصابة في الساعة الثانية، فتفحص و لم يجد النجاسة و صلى، و بعد الصلاة رأى القذارة في الثوب و احتمل وقوعها على الثوب قبل الصلاة فلا يوجب الظن بالإصابة زوال اليقين السابق على هذا الظن.
إذا عرفت هذه الاحتمالات في اليقين تعرف إناطة صحة الاستدلال به على الاستصحاب بما إذا أريد باليقين اليقين بالطهارة قبل ظن الإصابة، لا اليقين بها- الحاصل بالنظر- الزائل بالشك، إذ لو أريد به هذا اليقين لم ينطبق على الاستصحاب بل على قاعدة اليقين، لزواله بسريان الشك إليه، بخلاف اليقين قبل النظر، فإنه بعد الصلاة باق أيضا كسائر موارد الاستصحاب. [منتهى الدراية في توضيح الكفاية للسيد محمد جعفر الجزائري المروج].