المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٣٧٤ - الدليل الثاني حكم العقل
الدروس. و شاع بين من تأخر عنهم، كما حقق ذلك الشيخ الأنصاري في رسائله في الأمر الأول من مقدمات الاستصحاب، ثم قال: (نعم ربما يظهر من الحلي في السرائر الاعتماد على هذه الأخبار، حيث عبر عن استصحاب نجاسة الماء المتغير بعد زوال تغيره من قبل نفسه بنقض اليقين باليقين. و هذه العبارة ظاهرة أنها مأخوذة من الأخبار).
و على كل حال: فهذا الدليل العقلي فيه مجال للمناقشة من وجهين:
الأول: في أصل الملازمة العقلية المدعاة. و يكفي في تكذيبها الوجدان، فإنا نجد أن كثيرا ما يحصل العلم بالحالة السابقة، و لا يحصل الظن ببقائها عند الشك لمجرد ثبوتها سابقا (١).
الثاني: على تقدير تسليم هذه الملازمة، فإن أقصى ما يثبت بها حصول الظن بالبقاء، و هذا الظن لا يثبت به حكم الشرع إلّا بضميمة دليل آخر يدل على حجية هذا الظن بالخصوص ليستثنى مما دل على حرمة التعبد بالظن. و الشأن كل الشأن في إثبات هذا الدليل (٢)، فلا تنهض هذه الملازمة العقلية- على تقديرها- دليلا بنفسها على الحكم الشرعي. و لو كان هناك دليل على حجية هذا الظن بالخصوص لكان هو الدليل على الاستصحاب لا الملازمة، و إنما تكون الملازمة محققة لموضوعه.
ثم ما المراد من قولهم: إن الشارع يحكم برجحان البقاء على طبق حكم العقلاء، فإنه على إطلاقه موجب للإيهام و المغالطة، فإنه إن كان المراد: أنه يظن بالبقاء كما يظن سائر الناس فلا معنى له. و إن كان المراد: إنه يحكم بحجية هذا الرجحان فهذا لا تقتضيه الملازمة بل يحتاج إثبات ذلك إلى دليل آخر كما ذكرنا. و إن كان المراد أنه يحكم بأن البقاء مظنون و راجح عند الناس، أي: يعلم بذلك، فهذا و إن كان تقتضيه الملازمة و لكن هذا المقدار غير نافع و لا يكفي وحده في إثبات المطلوب، إذ لا يكشف مجرد علمه بحصول الظن عند الناس عند اعتباره لهذا الظن و رضاه به.
(١) فيما يرجع إلى الجواب عن الدعوى الأولى (دعوى الملازمة).
قال الشيخ مرتضى الأنصاري: (و محصل الجواب ... منع كون مجرد وجود الشيء سابقا مقتضيا لظن بقائه ...).
(٢) و حيث لا دليل على حجية هذا الظن بالخصوص فهو إذا: باق تحت عموم الأدلّة الناهية عن العمل بالظن.