المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٣٣٥ - المقام الثاني في المفاضلة بين المرجحات
بالجمع العرفي فيما اختلفت فيه، و قد وقع في ذلك كلام طويل لكثير من الأعلام يحتاج استقصاؤه إلى كثير من الوقت.
و الذي نقوله- على نحو الاختصار: إنه يبدو من تتبع الأخبار إنه لا تفاضل في الترجيح بين الأمور المذكورة فيها، و يشهد لذلك: اقتصار جملة منها على واحد منها، ثم ما جمع المرجحات منها كالمقبولة و المرفوعة على تقدير الاعتماد عليها لم تذكرها؛ كما لم تتفق في الترتيب بينها.
نعم إن (المقبولة)- التي هي عمدتنا في الباب و التي لم نستفد منها الترجيح بالصفات كما تقدم- ذكرت الشهرة أولا، و يظهر منها: أن الشهرة أكثر أهمية من كل مرجح. و أما باقي المرجحات فقد يقال: لا يظهر من المقبولة الترتيب بينها، كيف؟ و قد جمعت بينها في الجواب عند ما فرض السائل الخبرين متساويين في الشهرة.
و على كل حال، فإن استفادة الترتيب بين المرجحات من الأخبار مشكل جدا ما عدا تقديم الشهرة على غيرها.
و منها: أنه يبتني- بعد فرض القول بالتعدي إلى غير المرجحات المنصوصة- على إن القاعدة هل تقتضي تقديم المرجح الصدوري على المرجح الجهتي، أو بالعكس، أو لا تقتضي شيئا منهما؟ و على التقدير الثالث: لا بد أن يرجع إلى أقوائية المرجح في الكشف عن مطابقة الخبر للواقع، فكل مرجح يكون أقوى من هذه الجهة أيا كان
مشكوك فينفى بالأصل.
٢- عمل العقلاء قديما و حديثا، فإنهم إذا خيروا بين أمرين اختاروا بفطرتهم ما يظنونه الأرجح و الأصلح.
٣- قال الشيخ الأنصاري ما معناه: من دقق النظر في أخبار الترجيح ينتهي لا محالة إلى الجزم بأن المرجحات المنصوصة هي وسيلة إلى الواقع، و ليست غاية في نفسها، و إذا: فكل ما يقرب إلى الواقع فهو مرجح سواء أنص عليه الشارع أم سكت عنه، بالإضافة إلى حديث «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك»، حيث دل بعمومه على أنه إذا دار الأمر بين شيئين، في أحدهما الريب، و الآخر لا ريب فيه وجب العمل بالسليم من الريب، و ترك ما يشوبه الريب، و من البديهي: إذا وجد المرجح في أحد الخبرين ينتفي الريب عنه بالنسبة إلى العاري عن المرجح، فيتعين العمل بالأول» [١].
[١] راجع: كتاب علم أصول الفقه في ثوبه الجديد، ص ٤٤٨.