المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٣٣١ - الترجيح بموافقة الكتاب
أقول: في مسألة موافقة الكتاب و مخالفته طائفتان من الأخبار:
الأولى: في بيان مقياس أصل حجية الخبر، لا في مقام المعارضة بغيره، و هي التي ورد فيها التعبيرات المذكورة في الكفاية: أنه زخرف و باطل ... إلى آخره، فلا بد أن تحمل هذه الطائفة على المخالفة لصريح الكتاب، لأنه هو الذي يصح وصفه بأنه زخرف و باطل و نحوهما.
و الثانية: في بيان ترجيح أحد المتعارضين. و هذه لم يرد فيها مثل تلك التعبيرات، و قد قرأت بعضها، و ينبغي أن تحمل على المخالفة لظاهر الكتاب لا لنصه، لا سيما أن مورد بعضها مثل المقبولة في الخبر الذي لو كان وحده لأخذ به و إنما المانع من الأخذ به وجود المعارض، إذ الأمر بالأخذ بالموافق و ترك المخالف وقع في المقبولة بعد فرض كونهما مشهورين قد رواهما الثقات، ثم فرض السائل موافقتهما معا للكتاب بعد ذلك إذ قال: «فإن كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب و السنة». و لا يكون ذلك إلّا الموافقة لظاهره و إلّا لزم وجود نصين متباينين في الكتاب. كل ذلك يدل على أن المراد من مخالفة الكتاب في المقبولة مخالفة الظاهر لا النص.
و يشهد لما قلناه أيضا: ما جاء في خبر الحسن المتقدم: «فإن كان يشبههما فهو منا»، فإن التعبير بكلمة «يشبههما» يشير إلى أن المراد: الموافقة و المخالفة للظاهر.
٥- مخالفة العامة (١): إن الأخبار المطلقة الآمرة بالأخذ بما خالف العامة و ترك ما وافقها كلها منقولة عن رسالة للقطب الراوندي، و قد نقل عن الفاضل النراقي أنه قال: إنها غير ثابتة عن القطب ثبوتا شائعا فلا حجة فيما نقل عنه.
(١) المراد بالعامة هنا: أهل الرأي و القياس الذين يعتمدون في استنباطهم للأحكام الشرعية بحدسهم و ظنونهم، و يسندون ما استنبطوه إلى اللّه، و هذا وجه تسميتهم بالعامة. و يقابلهم الخاصة الذين يبنون أحكامهم على أساس كتاب اللّه و سنة نبيه. و من جملة أخبار الترجيح بمخالفة العامة، رواية الحسين بن السري قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «إذا أورد عليكم حديثان مختلفان فخذوا بما خالف القوم» [١].
قال السيد محمد باقر الصدر: «و هي ساقطة سندا، و لكنها موافقة دلالة مع رواية الراوندي في ترجيح ما خالف العامة على ما وافقهم، بعد أن تعدينا في فهم رواية الراوندي إلى مطلق المخالفة مع فتاواهم.
نعم ...» [٢].
[١] وسائل الشيعة، باب ٩ من أبواب صفات القاضي، ح ٣٠.
[٢] راجع: كتاب مباحث الحجج و الأصول العملية، ج ٤، ص ٣٥٨.