المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٣٢ - ٧- حجية العلم ذاتية
و إنما المعقول من جعل القطع هو جعله بالجعل البسيط (١)، أي: خلقه و إيجاده (٢).
(١) لأجل إيضاح هذه العبارة نطرح سؤالا، و من خلال الإجابة على هذا السؤال يتضح المطلب. هل يمكن جعل الحجية من قبل الشارع إلى القطع؛ كأن يقول جعلت القطع حجة أم لا؟ هذا بالنسبة إلى السؤال الأول.
السؤال الثاني: هل يمكن للشارع سلب الحجية عن القطع أم لا؟
الجواب عن السؤال الأول: لا يمكن جعل الحجية للقطع. لما ذا؟ لأن جعل شيء لشيء إنما يعقل في غير اللوازم الذاتية لشيء.
الجواب عن السؤال الثاني: و محصله: لا يمكن سلب الحجيّة عن القطع لوجهين: و نكتفي بالوجه الأول: و هو إنه لا يمكن سلب الحجيّة عن القطع بالأولوية، و تصوير الأولوية هو: إذا لم يجز جعل الحجيّة للقطع فمن باب الأولى لا يمكن سلبها بالجعل التأليفي. نعم بالجعل البسيط ممكن بأن يسلب القطع من نفس هذا الإنسان، بالتالي سلبت الحجيّة. و لتوضيحه أكثر نقول: «إن الجعل على قسمين: أحدهما: الجعل البسيط، و هو الإيجاد بمفاد «كان» التامة، كجعل زيد- أي: إيجاده- و لا ريب في أن القطع مجعول بهذا المعنى، ضرورة: كونه حادثا لا قديما، و لكن ليس هذا الجعل موردا للبحث.
ثانيهما: الجعل التأليفي، و هو الإيجاد بمفاد «كان» الناقصة، بمعنى: جعل شيء لشيء، و يتحقق ذلك في الأعراض المفارقة و المحمولات غير الضرورية؛ كجعل زيد عالما أو عادلا- أي: إثبات العلم أو العدالة له- و هذا الجعل لا يتصور في المحمولات البينة الثبوت للموضوعات؛ بحيث يكون ذات الموضوع علة تامة لوجود المحمول، كما لا يعقل في المحمولات الممتنعة الثبوت للموضوعات، و الجعل بهذا المعنى هو محل الكلام، و قد منعه المصنف (أي: الآخوند) في القطع بوجهين:
الوجه الأول: و حاصله: أن الجعل التأليفي يتصور في المحمولات المفارقة ليستند ثبوتها لموضوعاتها إلى الجعل كالعالم و العادل المحمولين على زيد مثلا.
و أما المحمولات التي هي من لوازم موضوعاتها و لا تنفك عنها، بل هي ضرورية الثبوت لها، فلا تقبل الجعل أصلا كالزوجية للأربعة، حيث أنها مجعولة بجعل نفس الأربعة، و لا يعقل جعلها لها لا تكوينا و لا تشريعا، و لا إثباتا و لا نفيا، لأن الغرض منه هو إيجاد محمول لموضوع بحيث يستند وجود المحمول له إلى الجعل، و هذا الغرض حاصل بدونه، فيصير لغوا، لعدم تأثيره في وجود المحمول للموضوع لا حدوثا و لا بقاء. و يلزم الخلف أيضا، إذ المفروض: كون الحجيّة من اللوازم التي لا تنفك عن القطع، و من المعلوم: أن مورد الجعل التأليفي هو المحمولات القابلة للانفكاك عن موضوعاتها، فيلزم الخلف من جعل الحجيّة له» [١].
(٢) فمن حين إيجاد القطع تلحظ آثاره الذاتية التي منها الحجية؛ كأن يخلق القطع في نفس الإنسان أولا و بالذات ثم ينسب له ثانية و بالعرض الحجية.
[١] منتهى الدراية في توضيح الكفاية، ج ٤، ص ٢٧.