المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٣٠٥ - ٦- القاعدة في المتعارضين التساقط أو التخيير (٢)
و ظاهره أن المراد من الجمع الذي هو أولى من الطرح هو الجمع في الدلالة، فإنه إذا كان الجمع بينهما في الدلالة ممكنا تلاءما فيرتفع التعارض بينهما فلا يتكاذبان (١).
و لذا قال ابن أبي جمهور الإحسائي في «عوالي اللآلئ»: «الجمع مهما أمكن أولى من الطرح» و ادعى عليه الإجماع، فإن كان مراده من الجمع: الجمع العرفي فهو كلام جيد تام، لأن الجمع العرفي: إما بالورود أو بالحكومة أو بالنص و الظاهر، و قد يقال: بالأظهر و الظاهر ... و أن مورد تعارض العام و الخاص أيضا يرجع إلى الحكومة، و في مورد الورود و الحكومة لا تعارض في الحقيقة، فالجمع العرفي عمل بمضمون كلا الدليلين فيجب، فلا بد و أن يكون المراد من قوله: «أولى من الطرح» هو وجوب الجمع و العمل بكليهما، لا أن الجمع أحسن و أفضل. و أما إن كان المراد مطلق الجمع و رفع اليد عن ظاهر كليهما أو أحدهما بتأويلهما أو تأويل أحدهما فلا وجه لكونه أولى، بل لا يجوز، لما فيه من ترك العمل بأصالة الظهور، و ليس ترك الأخذ بها أولى من ترك الأخذ بصدور أحدهما أولا [١].
(١) أي: الجمع الدلالي، و يسمى بالجمع العرفي أو التوفيق العرفي في مقام الثبوت، و هو عبارة عن كون أحد الدليلين حاكما أو واردا على الآخر على التفصيل الذي تقدم في معنى الحكومة و الورود، أو يكون ظهور أحدهما قرينة للتصرف في ظهور الآخر من قبيل ظهور القرينة بالنسبة إلى ظهور ذي القرينة. و ذكر الشيخ باقر الإيرواني في حلقته الثالثة في أسلوبها الثاني النظرية العامة للجمع العرفي قائلا: «و البحث في هذه الجهة يمكن منهجته في نقاط خمس:
١- المقصود من قاعدة الجمع العرفي: أن كل ظهور هو حجة و يؤخذ به ما لم يصدر من المتكلم ظهور ثان أعده مفسرا للظهور الأول؛ و إلّا أخذ العقلاء بالظهور الثاني- و يسمى بالقرينة- دون الظهور الأول.
٢- إن إعداد ظهور ثان لتفسير الظهور الأول تارة: يكون إعدادا شخصيا، و أخرى: يكون إعدادا نوعيا.
و المراد من الإعداد الشخصي: أن يعد نفس المتكلم- لا العرف- الظهور الثاني لتفسير الظهور الأول، كما لو فرض أن المتكلم قال في كلامه الثاني: إني أقصد من ظهور كلامي الأول كذا.
و من أمثلة الإعداد الشخصي: الدليل الحاكم بالنسبة إلى الدليل المحكوم، فإن المتكلم أعد الدليل الحاكم ليكون ناظرا و مفسرا للكلام الأول المحكوم، و المراد من الإعداد النوعي: أن يعد العرف- لا شخص المتكلم- الكلام الثاني مفسرا للكلام الأول، و شخص المتكلم لا دور له سوى أنه واحد من العرف و يجري على طبق الالتزامات العرفية دون أن يكون هو المعد بخصوصه. و من أمثلته: الخاص بالنسبة إلى العام، فإن الخاص يعده العرف مفسرا للعام و لا خصوصية للمتكلم في هذا الإعداد؛ و إنما هو واحد من العرف و يجري على الموازين العرفية.
٣- تقدم الكلام في مبحث حجية الظهور: أن لكل كلام ظهورا تصوريا و ظهورا تصديقيا.
و الظهور التصوري هو: خطور المعنى إلى الذهن عند سماع اللفظ و لو من اصطكاك حجرين. و منشأ هذا الظهور هو الوضع.
[١] راجع: كتاب منتهى الأصول، ج ٢، ص ٧٢٦.