المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٣٠٣ - ٦- القاعدة في المتعارضين التساقط أو التخيير (٢)
المعين يجب الأخذ به فعلا، حتى يجب التخيير، بل حينئذ يتساقطان، أي: أن كلا منهما يكون ساقطا عن الحجية الفعلية و خارجا عن دليل الحجية.
و إن كان الثاني فنقول: أولا: لا يصح أن يفرض التخيير من جهة الواقع إلّا إذا علم بإصابة أحدهما للواقع، و لكن ليس ذلك أمرا لازما في الحجتين المتعارضتين، إذ يجوز فيهما أن يكونا معا كاذبتين، و إنما اللازم فيهما من جهة التعارض هو العلم بكذب أحدهما لا العلم بمطابقة أحدهما للواقع. و على هذا: فليس الواقع محرزا في أحدهما حتى يجب التخيير بينهما من أجله.
و ثانيا: على تقدير حصول العلم بإصابة أحدهما غير المعين للواقع، فإنه أيضا لا وجه للتخيير بينهما، إذ لا وجه للتخيير بين الواقع و غيره، و هذا واضح.
و غاية ما يقال: أنه إذا حصل العلم بمطابقة أحدهما للواقع فإن الحكم الواقعي يتنجز بالعلم الإجمالي، و حينئذ: يجب إجراء قواعد العلم الإجمالي فيه. و لكن لا يرتبط حينئذ بمسألتنا- و هي مسألة: أن القاعدة في المتعارضين هو التساقط أو التخيير- لأن قواعد العلم الإجمالي تجري حينئذ حتى مع العلم بعدم حجية الدليلين معا، و قد يقتضي العلم الإجمالي في بعض الموارد التخيير و قد يقتضي الاحتياط في البعض الآخر، على اختلاف الموارد.
*** إذا عرفت ذلك فيتحصل: أن القاعدة الأولية بين المتعارضين هو التساقط مع عدم حصول مزية في أحدهما تقتضي الترجيح.
أما لو كان الدليلان المتعارضان يقتضيان معا نفي حكم ثالث فهل مقتضى تساقطهما عدم حجيتهما في نفي الثالث (١)؟
الحق: إنه لا يقتضي ذلك لأن المعارضة بينهما أقصى ما تقتضي سقوط حجيتهما
(١) و بعبارة أخرى: هل يدل الخبران المتعارضان على نفي الثالث، حتى على القول بالتساقط؟ مثلا:
إذا قال أحد الخبرين: هذا واجب. و قال الآخر: بل هو حرام. فهل يدلان على إنه ليس بمندوب؟
الجواب: يدل الخبران على نفي الثالث أي: إنه ليس بمندوب. و أما الخبران: فيتساقطان بالنسبة إلى ما تصادما فيه، و بعد التساقط و الرجوع إلى الأصول العملية و هي وجوب العمل بالأصل الموافق لأحدهما كالتخيير في دوران الأمر بين الوجوب و الحرمة، و المنع عن الأصل المخالف لهما معا كالاستحباب كما في المثال.