المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٣٠١ - ٦- القاعدة في المتعارضين التساقط أو التخيير (٢)
و بعناية ثبوت المتعبد به اعتبارا (١).
٦- القاعدة في المتعارضين التساقط أو التخيير (٢):
أشرنا فيما تقدم ٢/ ٢٩٤ إلى أن القاعدة في التعادل بين المتزاحمين هو التخيير بحكم العقل، و ذلك محل
(١) و إذا ذهبنا إلى الأصول العقلية باختلاف موضوعها نجد: أن الشيخ الأنصاري في رسائله يطلق كلمة الورود على هذا الرفع لموضوع الأصول العقلية بواسطة الدليل الشرعي و تقديم الدليل عليها، فموضوع البراءة قبح العقاب بلا بيان، و موضوع الاحتياط احتمال العقاب عند الشك في فراغ الذمة و الخروج عن العهدة، و موضوع التخيير دوران الأمر بين محذورين (الحرمة و الوجوب) مع عدم وجود المرجح. و قولنا بعدم وجود المرجح إذ مع وجوده يقدم المرجح فلا مشكلة حينئذ. فإذا جاء البيان و الدليل الشرعي حينئذ لا يبقى موضوع لهذه الأصول العملية فترتفع بارتفاع موضوعها. فيرتفع موضوع البراءة العقلية للبيان الواصل إلى المكلف من الشارع، لأنه كما قلنا: موضوع البراءة العقلية عدم البيان و الدليل الشرعي و قد وجد. و كذلك يرتفع موضوع الاحتياط حيث لا يحتمل المكلف العقاب عند ترك الاحتياط و العمل بالبيان الواصل إليه، و كذلك يرتفع موضوع التخيير المشروط بعدم وجود المرجح لأحد المحذورين، بل ملزم بالدليل و البيان الشرعي الواصل إليه في تحديد أحدهما.
و الشيخ الأنصاري (قدس سره) في رسائله يطلق كلمة الورود هنا في قوله: «إن كان الأصل مؤداه بحكم العقل كأصل البراءة العقلية و الاحتياط و التخيير العقليين، فالدليل وارد عليه و رافع لموضوعه».
و بهذا البيان يكون معنى الورود هو ارتفاع موضوع المورد وجدانا و حقيقة، و لكن كما قلنا بواسطة البيان الشرعي الذي اعتبره المولى «عزّ و جلّ» كاشفا عن الحكم كخبر الواحد.
(٢) هل الأصل في الخبرين المتكافئين من كل وجه هو التساقط أو التخيير؟ تختلف الإجابة باختلاف اعتبار الخبر كدليل على الحكم الشرعي، و أن وجوب العمل بهذا الخبر هل هو من باب السببية أو الطريقية؟ بمعنى: أن مجرد إخبار الثقة بأن هذا الشيء واجب شرعا- مثلا- يجعله الشارع واجبا في حق المكلف حتى لو كان محرما في الواقع. و هذا هو التصويب الباطل. أو أن العمل بخبر الثقة من باب الطريقية بمعنى: أن الشارع أراد نفس الواقع دون سواه، و أن خبر الثقة طريق إلى الواقع.
فعلى القول بالسببية الباطلة: يكون للحادثة الواحدة حكمان متكاذبان تبعا لتناقض الخبرين المتكافئين، و المكلف قادر على امتثال أحدهما لا على نحو التعيين، و عليه: يقع التزاحم بين الحكمين في مقام الامتثال، ففي هذه الصورة تجري قاعدة تقديم الأهم على المهم إن وجد، و إلّا فالتخيير.
و على القول بالطريقية: يتساقط الخبران المتعارضان حيث لا دليل على اعتبارهما و جواز العمل بهما.
فإن العقلاء و أهل العرف يطرحون الأقوال المتناقضة المتنافرة، و لا يعتمدون عليها. فكيف بصاحب الشريعة و سيد العقلاء؟
و الحق: هو القول بالطريقية. و بطلان القول بالسببية لما قلنا بلزوم التصويب الباطل.
على القول بالسببية الباطلة قلنا: إن المكلف قادر على امتثال أحدهما لا على نحو التعيين، لما ذا قلنا لا على نحو التعيين؟ لأن التعيين ترجيح بلا مرجح، و هذه قاعدة مطردة في جميع الأشياء المتزاحمة.