المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٢٩ - ٧- حجية العلم ذاتية
(ثانيهما): طريقية القطع للواقع.
فما المراد من كون القطع حجة بذاته؟
هل المراد أن وجوب متابعته أمر ذاتي له، كما وقع في تعبيرات بعض الأصوليين المتأخرين، أم أن المراد أن طريقيته ذاتية؟
و إنما صح أن يسأل هذا السؤال، فمن أجل قياسه على الظن حينما نقول: إنه حجة، فإن فيه جهتين:
١- (جهة طريقيته للواقع) فحينما نقول: إن حجيته مجعولة، نقصد أن طريقيته مجعولة؛ لأنها ليست ذاتية له، لوجود احتمال الخلاف. فالشارع يجعله طريقا إلى الواقع بإلقاء احتمال الخلاف، كأنه لم يكن فتتم بذلك طريقيته الناقصة ليكون كالقطع في الإيصال إلى الواقع. و هذا المعنى هو المجعول للشارع.
٢- (جهة وجوب متابعته) فحينما نقول: إنه حجة، نقصد أن الشارع أمر بوجوب متابعة ذلك الظن و الأخذ به أمرا مولويا، فينتزع من هذا الأمر أن هذا الظن موصل إلى الواقع و منجّز له، فيكون المجعول هو الوجوب، و يكون هذا معنى حجية الظن. و إذا كان هذا حال الظن، فالقطع ينبغي أن يكون له أيضا هاتان الجهتان، فنلاحظهما حينما نقول مثلا: إن حجيّته ذاتية إما من جهة كونه طريقا بذاته و إما من جهة وجوب متابعته لذاته.
و لكن- في الحقيقة- إن التعبير بوجوب متابعة القطع لا يخلو عن مسامحة ظاهرة، منشأها ضيق العبارة عن المقصود، إذ يقاس على الظن، و السر في ذلك واضح؛ لأنه ليس للقطع متابعة مستقلة غير الأخذ بالواقع المقطوع به، فضلا عن أن يكون لهذه المتابعة وجوب مستقل غير نفس وجوب الأخذ بالواقع المقطوع به، أي:
وجوب طاعة الواقع المنكشف بالقطع من وجوب أو حرمة أو نحوهما. إذ ليس وراء انكشاف الواقع شيء ينتظره الإنسان، فإذا انكشف الواقع له فلا بدّ أن يأخذ به.
و هذه اللابدّية لا بدّية عقلية (١) منشأها: أن القطع بنفسه طريق إلى الواقع، و عليه:
فيرجع التعبير بوجوب متابعة القطع إلى معنى كون القطع بنفسه طريقا إلى الواقع، و أن نفسه نفس انكشاف الواقع. فالجهتان فيه جهة واحدة في الحقيقة.
(١) هذه اللابدّية العقلية هي نفس وجوب الطاعة الذي هو وجوب عقلي، لأنه داخل في الآراء المحمودة التي تتطابق عليها آراء العقلاء بما هم عقلاء، كما شرحناه في الجزء الثاني. (المصنّف).