المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٢٧٧ - «تنبيه» الاستحسان و المصالح المرسلة و سد الذرائع
و هي- إن لم ترجع إلى ظواهر الأدلّة السمعية أو الملازمات العقلية- لا دليل على حجيتها، بل هي أظهر أفراد الظن المنهي عنه، و هي دون القياس من ناحية الاعتبار.
و لو أردنا إخراجها من عمومات حرمة العمل بالظن لا يبقى عندنا ما يصلح لانطباق هذه العمومات عليه مما يستحق الذكر، فيبقى النهي عن الظن بلا موضوع.
و من البديهي عدم جواز تخصيص الأكثر.
نعم القائلون بأن الاستحسان هو الأخذ بأقوى الدليلين يمكنهم التمسك بهذه الآيات.
أدلتهم من السنة: و قد استدلوا منها بما روي عن عبد الله بن مسعود من أنه قال: «ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسنا».
و يرد على هذا الاستدلال:
بأنها موقوفة على ابن مسعود، و لم يروها أحد عنه عن رسول الله (صلى الله عليه و آله)، و ربما كانت كلاما له لا حديثا عن النبي (صلى الله عليه و آله)، و مع هذا الاحتمال لا تصلح للدليلية أصلا.
نعم إذا كان المراد بالاستحسان هو: خصوص الأخذ بأقوى الدليلين فهو حسن و لا مانع من الأخذ به، إلّا إن عده أصلا في مقابل الكتاب و السنة و دليل العقل لا وجه له، «و إن كان- كما يقول ابن القفال- ما يقع في الوهم من استقباح الشيء، و استحسانه من غير حجة دلت عليه من أصل و نظير فهو محظور و القول به غير سائغ».
س: ما المراد من المصالح المرسلة؟ ج: لتحديد معنى المصالح المرسلة لا بد من تحديد معنى المصلحة أولا ثم تحديد معنى الإرسال فيها ليتضح معنى هذا التركيب الخاص.
يقول الغزالي: المصلحة هي: «عبارة في الأصل عن جلب منفعة أو دفع مضرة». و قال: «و لسنا نعني به ذلك، فإن جلب المنفعة و دفع المضرة مقاصد الخلق و صلاح الخلق في تحصيل مقاصدهم، لكنا نعني بالمصلحة المحافظة على مقصود الشرع».
«و مقصود الشرع من الخلق خمسة: و هو أن يحفظ عليهم دينهم، و نفسهم، و عقلهم، و نسلهم و مالهم، فكل ما يتضمن هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، و كل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة و دفعها مصلحة».
و عرفها الطوفي بقوله: هي «السبب المؤدي إلى مقصود الشرع عبادة و عادة». و أراد بالعبادة: «ما يقصده الشارع لحقه». و العادة: «ما يقصده الشارع لنفع العباد و انتظام معايشهم و أحوالهم».
و أما تعريفهم للإرسال فقد وقع موقع الاختلاف لديهم، فالذي يبدو من بعضهم أن معناه: عدم الاعتماد على أي نص شرعي، و إنما يترك للعقل حق اكتشافها، بينما يذهب البعض الآخر إلى أن معناها هو عدم الاعتماد على نص خاص، و إنما تدخل ضمن ما ورد في الشريعة من نصوص عامة، و استنادا إلى هذا التفاوت في معنى الإرسال، تفاوتت المصلحة المرسلة. فابن برهان يعرفها بقوله هي:
«ما لا تستند إلى أصل كلي أو جزئي»، أي: المصلحة التي ليس فيها نص شرعي لا عام و لا خاص.