المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٢٧١ - الدليل من الآيات القرآنية
ينكر أن يكون ذلك بمجرده محققا لإجماع الأمة أو الصحابة و اتفاق الثلاثة أو العشرة بل العشرين ليس إجماعا مهما كانوا.
نعم أقصى ما يقال في هذا الصدد: أن الباقين سكتوا و سكوتهم إقرار، فيتحقق الإجماع.
و لكن يجاب عن ذلك أن السكوت لا نسلم أنه يحقق الإجماع؛ لأنه لا يدل على الإقرار إلّا من المعصوم بشروط الإقرار. و السر في ذلك: أن السكوت في حد ذاته مجمل فيه عند غير المعصوم أكثر من وجه واحد و احتمال؛ إذ قد ينشأ من الخوف، أو الجبن أو الخجل، أو المداهنة، أو عدم العناية ببيان الحق، أو اجهل بالحكم الشرعي، أو وجهه أو عدم وصول نبأ الفتيا إليهم ... إلى ما شاء الله من هذه الاحتمالات التي لا دافع لها بالنسبة إلى غير المعصوم. و قد يجتمع في شخص واحد أكثر من سبب واحد للسكوت عن الحق، و من الاحتمالات أيضا: أن يكون قد أنكر بعض الناس و لكن لم يصل نبأ الإنكار إلينا. و دواعي إخفاء الإنكار و خفائه كثيرة لا تحد و لا تحصر.
و أما ثالثا: فإن سكوت الباقي غير مسلم، و يكفي لإبطال الإجماع إنكار شخص واحد له شأن في الفتيا إذ لا يتحقق معه اتفاق الجميع، فكيف إذا كان المنكرون أكثر من واحد، و قد ثبت تخطئة القول بالرأي عن ابن عباس و ابن مسعود و أضرابهما، بل روي ذلك حتى عن عمر بن الخطاب (١): (إياكم و أصحاب الرأي فإنهم أعداء السنن أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها فقالوا بالرأي فضلوا و أضلوا)، و إن كنت أظن أن هذه الرواية موضوعة عليه لثبوت أنه في مقدمة أصحاب الرأي، مع أن أسلوب بيان الرواية بعيدة عن النسبة إليه و إلى عصره.
و على كل حال، لا شيء أبلغ في الإنكار من المجاهرة بالخلاف و الفتوى بالضد، و هذا قد كان من جماعة كما قلنا، بل زاد بعضهم كابن عباس و ابن مسعود أن انتهى إلى ذكر المباهلة و التخويف من الله تعالى، و هل شيء أبلغ في الإنكار من هذا؟ فأين الإجماع؟
و نحن يكفينا إنكار علي بن أبي طالب (عليه السلام) و هو المعصوم الذي يدور
(١) إبطال القياس: ٥٨. و المستصفى: ٢/ ٦١.