المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٢٥٩ - تمهيد (١)
و من المعلوم عند آل البيت (عليهم السلام): إنهم لا يجوزون العمل به، و قد شاع عنهم: «إن دين الله لا يصاب بالعقول» و «إن السنة إذا قيست محق الدين». بل شنوا حربا شعواء لا هوادة فيها على أهل الرأي و قياسهم ما وجدوا للكلام متسعا.
و مناظرات الإمام الصادق (عليه السلام) معهم معروفة، لا سيما مع أبي حنيفة، و قد رواها حتى أهل السنة إذ قال له فيما رواه ابن حزم (١): «اتق الله و لا تقس، فإنا نقف غدا بين يدي الله فنقول: قال اللّه و قال رسوله و تقول أنت و أصحابك: سمعنا و رأينا».
عن طريق الاستقراء الناقص أو القياس منهي عنه بأدلة النهي عن الظن. إلّا إذا خرج بالدليل.
و يعبر عن القياس المنهي عنه بالقياس التمثلي و يعرف بما يلي: «و هو أن ينتقل الذهن من حكم أحد الشيئين إلى الحكم على الآخر لجهة مشتركة بينهما».
و بعبارة أخرى هو: «إثبات الحكم في جزئي لثبوته في جزئي آخر مشابه له». هذا القياس يجعله أهل السنة من أدلة الأحكام الشرعية و مصدرا للتشريع. و الإمامية ينفون حجيته.
و مثاله: إذا ثبت عندنا أن الفقاع يشابه الخمر في تأثير السكر على شاربه، و قد ثبت عندنا أن حكم الخمر هو الحرمة، فلنا أن نستنبط أن الفقاع أيضا حرام أو على الأقل محتمل الحرمة للاشتراك بينهما في جهة الإسكار.
و هذا القياس التمثيلي لا يفيد إلّا الاحتمال. لأنه لا يلزم من تشابه شيئين في أمر أن يتشابها من جميع الوجوه. و يمثل الشيخ المظفر في كتابه المنطق: إذا رأيت شخصا مشابها لشخص آخر في طوله أو في ملامحه أو في بعض عاداته، و كان أحدهما مجرما قطعا فإنه ليس لك أن تحكم على الآخر بأنه مجرم أيضا، لمجرد المشابهة بينهما في بعض الصفات أو الأفعال، نعم إذا قويت وجوه الشبهة بين الأصل و الفرع و كثرت يقوى عند الاحتمال حتى يقرب من اليقين و يكون ظنا. و القيافة من هذا الباب، فإنا قد نحكم على شخص أنه صاحب أخلاق فاضلة أو شريرة بمجرد أن نراه؛ لأنا كنا قد عرفنا شخصا قبله يشبهه كثيرا في ملامحه أو عاداته و كان ذا خلق فاضل أو شريرا ... و لكن كل ذلك لا يغني عن الحق شيئا لأنه كما قلنا: غاية ما يفيد هو الظن، و الظن ليس بحجة ما لم يثبت بالدليل على حجيته على نحو مخصوص.
فلو كان العقل مستقلا في الحكم بحجية الظن بناء على دليل الانسداد على افتراض التسليم به، و أن القياس يشكل ظنا فهو حجة بحكم العقل. مع التسليم بهذا الاستدلال إلّا إن العقل لا يحكم بحجية الظن مطلقا و من غير قيد. و إنما يحكم بحجية الظن الذي لم ينه عنه الشارع، فإذا ثبت هذا النهي بالقطع و اليقين يخرج الظن المنهي عنه عن حكم العقل منذ البداية. و معنى هذا: أن القياس خارج موضوعا عن حكم العقل. هذا كله مع التسليم بأن القياس الظني يمكن التسليم به من خلال حجية مطلق الظن. بينما نحن نقول: الأصل في الظن إنه ليس بحجة حتى يثبت بدليل أنه حجة، و القياس إذا أفاد القطع فهو حجة لحجية القطع. و إلّا فلا.
(١) إبطال القياس، ص ٧١. مطبعة جامعة دمشق ١٣٧٩ ه.