المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٢١٦ - (٣) اشتراط الظن الفعلي بالوفاق
بالوفاق و لا بوجود الظن بالخلاف (١).
أقول: إن كان منشأ الظن بالخلاف أمر يصح في نظر العقلاء الاعتماد عليه في التفهيم، فإنه لا ينبغي الشك في أن مثل هذا الظن يضر في حجية الظهور بل- على التحقيق- لا يبقى معه ظهور للكلام حتى يكون موضعا لبناء العقلاء؛ لأن الظهور يكون حينئذ على طبق ذلك الأمر المعتمد عليه في التفهيم، حتى لو فرض إن ذلك الأمر ليس بأمارة معتبرة عند الشارع؛ لأن الملاك في ذلك بناء العقلاء.
و أما إذا كان منشأ الظن ليس مما يصح الاعتماد عليه في التفهيم عند العقلاء، فلا قيمة لهذا الظن من ناحية بناء العقلاء على اتباع الظاهر؛ لأن الظهور قائم في خلافه، و لا ينبغي الشك في عدم تأثير مثله في تبانيهم على حجية الظهور. و الظاهر إن مراد الشيخ صاحب الكفاية من الظن بالخلاف هذا القسم الثاني فقط لا ما يعم القسم الأول.
و لعل مراد القائل باعتبار عدم الظن بالخلاف هو القسم الأول فقط، لا ما يعم القسم الثاني، فيقع التصالح بين الطرفين.
٣- أصالة عدم القرينة: ذهب الشيخ الأعظم في رسائله إلى أن الأصول الوجودية- مثل: أصالة الحقيقة و أصالة العموم و أصالة الإطلاق و نحوها التي هي كلها أنواع لأصالة الظهور- ترجع كلها إلى أصالة عدم القرينة، بمعنى: أن أصالة الحقيقة ترجع إلى أصالة عدم قرينة المجاز، و أصالة العموم إلى أصالة عدم المخصص ...
و هكذا. و الظاهر أن غرضه من الرجوع: أن حجية أصالة الظهور إنما هي من جهة بناء العقلاء على حجية أصالة عدم القرينة.
و ذهب الشيخ صاحب الكفاية إلى العكس من ذلك، أي: أنه يرى أن أصالة عدم القرينة هي التي ترجع إلى أصالة الظهور، يعني: إن العقلاء ليس لهم إلّا بناء واحد و هو البناء على أصالة الظهور، و هو نفسه بناء على أصالة عدم القرينة، لا إنه هناك بناءان عندهم، بناء على أصالة عدم القرينة و بناء آخر على أصالة الظهور، و البناء
(١) و ذلك فيما إذا قلت للخادم: اذهب إلى السوق. فإذا لم يذهب إلى السوق معتذرا بأنه ظن خلاف ظاهر كلام مولاه بأنه ظن بأنه لا يجب الذهاب إلى السوق فإنه لا يقبل اعتذاره، بشرط أن يكون منشأ الظن بالخلاف أمرا لا يصح في نظر العقلاء الاعتماد عليه في التفهيم.