المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ٢١١
و أما تقسيم الظهور التصديقي إلى قسمين فهو تسامح أيضا، لأنه لا يكون الظهور ظهورا إلّا إذا كشف عن المراد الجدي للمتكلم إما على نحو اليقين أو الظن، فالقرينة المنفصلة لا محالة تهدم الظهور مطلقا (١). نعم قبل العلم بها (٢) يحصل للمخاطب قطع بدوي أو ظن بدوي يزولان عند العلم بها، فيقال حينئذ: قد انعقد للكلام ظهور على خلاف ما تقتضيه القرينة المنفصلة. و هذا كلام شائع عن
ظاهرا فيه تصورا يكون ظاهرا فيه تصديقا. هذا التطابق موجود في أغلب الكلام أي: هناك أصالة نسميها بأصالة التطابق بين الظهور التصوري و التصديقي؛ إلّا إذا وجدت قرينة متصلة تفكك بين هذين الظهورين إلّا إن هذه القرينة لا تؤثر على الدلالة التصورية، و إنما تؤثر على الدلالة التصديقية كما لو قلت: «رأيت أسدا في الحمام» فإن كلمة الحمام لا تؤثر في الظهور التصوري، فإن الذهن ينصرف و ينسبق إلى الحيوان المفترس، و إنما تؤثر على الظهور التصديقي أي: أن الحيوان المفترس ليس هو المراد تصديقا و جدا لأن المتكلم وضع قرينة صارفة على أن المراد هو الرجل الشجاع، و الحجية تتبع موضوعها، و هو الظهور التصديقي. إذا: إذا تطابق المدلولان فبها و نعمت، و إلّا فالحجية تتبع موضوعها و هو الظهور التصديقي. و بعبارة أخرى: الحجية حكم شرعي موضوعه الظهور التصديقي، فلا بد من إحراز الظهور التصديقي للكلام حتى نثبت له الحجية في حالة القطع بعدم القرينة. هنا نحرز الظهور التصديقي المتطابق مع الظهور التصوري، فنحرز موضوع الحجية فتثبت له الحجية.
و في حالة القطع بالقرينة هنا نحرز أن الظهور التصديقي غير متطابق مع الظهور التصوري، و إنما الظهور التصديقي منعقد على القرينة فتثبت له الحجية. أما في حالة احتمال القرينة المتصلة حينئذ نقول: إن موضوع الحجية غير ثابت لأنه لا يوجد ظهور تصديقي للكلام. لأن الكلام في حالة احتمال القرينة المتصلة لا ندري بمراده بمعنى: هل قال القرينة حتى لا ينعقد المدلول التصديقي المطابق للمدلول التصوري أو لم يقل القرينة حتى ينعقد المدلول التصديقي للمدلول التصوري؟ إذا: هنا لا نحرز موضوع الحجية و ذلك لعدم إحرازنا للمدلول التصديقي. و عليه: موضوع الحجية هنا ليست ثابتة، و هذا ما يسمى بالكلام المجمل. و قلنا: إن المجمل هو الذي لا يصح التمسك به في مقام تعيين مراد المتكلم، أي: في مقام تعيين مراد المتكلم لا نستطيع أن نقول: إن مراد المتكلم هذا المعنى أو ذاك المعنى. كما لو قال: «أكرم الفقير» فإن «أكرم» ظاهرة في الوجوب بالظهور التصوري. فإذا قطعنا بعدم القرينة نستطيع أن نقول: إن الوجوب مراد المتكلم فتثبت الحجية، و إذا قطعت بالقرينة الدالة على الاستحباب هنا يختلف الظهور التصديقي عند الظهور التصوري لصيغة افعل، فالحجية تثبت للظهور الأول فيكون مراد المتكلم هو الاستحباب. أما إذا احتملنا القرينة المتصلة هنا يكون المدلول التصديقي غير ظاهر فالكلام مجمل أي: غير ظاهر في الوجوب و لا في الاستحباب، فهو ليس بحجة لا في الوجوب و لا في الاستحباب، و إنما يكون مجملا.
(١) أي: سواء على نحو اليقين أو الظن.
(٢) أي: قبل العلم بالقرينة المنفصلة.