المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ١٩ - ٦- المناط في إثبات حجية الأمارة
معذرة للمكلف إذا عمل بها و أخطأ الواقع، و يحتج بها المولى على المكلف إذا خالفها و لم يعمل بها ففوّت الواقع المطلوب.
و لأجل هذا جعلنا باب (الأصول العملية) بابا آخر مقابل باب (مباحث الحجة).
و قد أشير في تعريف الأمارة إلى خروج الأصول العملية بقولهم: «يثبت متعلّقه»؛ لأن الأصول العملية لا تثبت متعلّقاتها، لأنّه ليس لسانها لسان إثبات الواقع و الحكاية عنه، و إنما هي في حقيقتها مرجع للمكلف في مقام العمل عند الحيرة و الشك في الواقع و عدم ثبوت حجة عليه. و غاية شأنها أنها تكون معذرة للمكلّف.
و من هنا اختلفوا في (الاستصحاب) أنه أمارة أو أصل، باعتبار أن له شأن الحكاية عن الواقع و إحرازه في الجملة، لأن اليقين السابق غالبا ما يورث الظن ببقاء المتيقن في الزمان اللاحق، و لأن حقيقته- كما سيأتي في موضعه- البناء على اليقين السابق بعد الشك كأنّ المتيقن السابق لم يزل و لم يشك في بقائه. و لأجل هذا سمّي الاستصحاب عند من يراه أصلا: (أصلا محرزا).
فمن لاحظ في الاستصحاب جهة ما له من إحراز و أنه يوجب الظن و اعتبر حجيّته من هذه الجهة عدّه من الأمارات، و من لاحظ فيه أن الشارع إنما جعله مرجعا للمكلف عند الشك و الحيرة و اعتبر حجيته من جهة دلالة الأخبار عليه عدّه من جملة الأصول. و سيأتي إن شاء الله تعالى شرح ذلك في محله مع بيان الحق فيه.
٦- المناط في إثبات حجية الأمارة:
ممّا يجب أن نعرفه- قبل البحث و التفتيش عن الأمارات التي هي حجة- المناط في إثبات حجية الأمارة و أنه بأيّ شيء يثبت لنا أنها حجة يعوّل عليها. و هذا هو أهم شيء يجب معرفته قبل الدخول في المقصود، فنقول:
إنه لا شك في أن الظن بما هو ظن لا يصح أن يكون هو المناط في حجية الأمارة، و لا يجوز أن يعوّل عليه في إثبات الواقع، لقوله تعالى: إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً،* و قد ذمّ الله تعالى في كتابه المجيد من يتّبع الظنّ بما هو ظنّ كقوله:
إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ* (١)، و قال تعالى: قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ.
(١) الخرص بمعنى: التخمين.