المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ١٨٧ - الباب الرابع الدليل العقلي
١- إنه قد تقدم (ج ١، ص ٣٧٤): أن العقل ينقسم إلى عقل نظري و عقل عملي. و هذا التقسيم باعتبار ما يتعلق به الإدراك:
فالمراد من (العقل النظري): إدراك ما ينبغي أن يعلم، أي: إدراك الأمور التي لها واقع (١).
و المراد من (العقل العملي): إدراك ما ينبغي أن يعمل، أي: حكمه بأن هذا الفعل ينبغي فعله أو لا ينبغي فعله.
- إنه ما المراد من العقل الذي نقول إنه حجة من هذين القسمين؟
إن كان المراد (العقل النظري): فلا يمكن أن يستقل بإدراك الأحكام الشرعية ابتداء، أي: لا طريق للعقل أن يعلم من دون الاستعانة بالملازمة أن هذا الفعل حكمه كذا عند الشارع. و السر في ذلك واضح، لأن أحكام الله توقيفية فلا يمكن العلم بها إلّا من طريق السماع من مبلغ الأحكام المنصوب من قبله تعالى لتبليغها، و ضرورة إن أحكام الله ليست من القضايا الأولية و ليست مما تنالها المشاهدة بالبصر و نحوه من الحواس الظاهرة بل الباطنة، و ليست أيضا مما تنالها التجربة و الحدس. و إذا كانت كذلك فكيف يمكن العلم بها من غير طريق السماع من مبلغها؟! و شأنها في ذلك شأن سائر المجعولات التي يضعها البشر كاللغات و الخطوط و الرموز و نحوها.
و كذلك ملاكات الأحكام، كنفس الأحكام، لا يمكن العلم بها إلّا من طريق السماع من مبلغ الأحكام؛ لأنه ليس عندنا قاعدة مضبوطة نعرف بها أسرار أحكام الله و ملاكاتها التي أنيطت بها الأحكام عنده (٢)، و الظن لا يغني عن الحق شيئا.
و على هذا، فمن نفى حجية العقل- و قال: إن الأحكام سمعية لا تدرك بالعقول- فهو على حق إذا أراد من ذلك ما أشرنا إليه، و هو نفي استقلال العقل النظري من إدراك الأحكام و ملاكاتها. و لعل بعض منكري الملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع قصد هذا المعنى كصاحب الفصول و جماعة من الأخباريين، و لكن خانه التعبير عن مقصوده. و إذا كان هذا مرادهم فهو أجنبي عما نحن بصدده من كون الدليل العقلي حجة يتوصل به إلى الحكم الشرعي.
(١) أي ما يكون ثابتا في الواقع مثل: استحالة اجتماع النقيضين.
(٢) راجع ما تقدم ج ١، ص ٣٧٧.