المفيد في شرح أصول الفقه - ابراهيم اسماعیل شهركاني - الصفحة ١٧١ - الإجماع المنقول إن الإجماع- في الاصطلاح- ينقسم إلى قسمين
أولا: أن أدلة خبر الواحد جميعها من آيات و روايات و بناء عقلاء، أقصى دلالتها أنها تدل على وجوب تصديق الثقة و تصويبه في نقله لغرض التعبد بما ينقل (١).
و لكنها لا تدل على تصويبه في اعتقاده.
بيان ذلك: أن معنى تصديق الثقة هو البناء على واقعية نقله، و واقعية النقل تستلزم واقعية المنقول، بل واقعية النقل عين واقعية المنقول، فالقطع بواقعية النقل لا محالة يستلزم القطع بواقعية المنقول (٢)، و كذلك البناء على واقعية النقل يستلزم البناء على واقعية المنقول (٣).
و عليه، فإذا كان المنقول حكما أو ذا أثر شرعي صح البناء على الخبر و التعبد به بالنظر إلى هذا المنقول، أما إذا كان المنقول اعتقاد الناقل، كما لو أخبر شخص عن اعتقاده بحكم: فغاية ما يقتضي البناء على تصديق نقله هو البناء على واقعية اعتقاده الذي هو المنقول، و الاعتقاد في نفسه ليس حكما و لا ذا أثر شرعي. أما صحة اعتقاده و مطابقته للواقع فذلك شيء آخر أجنبي عنه؛ لأن واقعية الاعتقاد لا تستلزم واقعية المعتقد به، يعني: أننا قد نصدق المخبر عن اعتقاده في أن هذا هو اعتقاده واقعا؛ لكن لا يلزمنا أن نصدق بأن ما اعتقده صحيح و له واقعية.
و من هنا نقول: إنه إذا أخبر شخص بأنه سمع الحكم من المعصوم صح أن نبني على واقعية نقله تصديقا له بمقتضى أدلة حجية الخبر؛ لأن ذلك يستلزم واقعية المنقول و هو الحكم، إذ لم يمكن التفكيك بين واقعية النقل و واقعية المنقول. أما إذا أخبر عن اعتقاده بأن المعصوم حكم بكذا فلا يصح البناء على واقعية اعتقاده تصديقا له بمقتضى أدلة حجية الخبر؛ لأن البناء على واقعية اعتقاده تصديقا له لا يستلزم البناء على واقعية معتقده، فيجوز التفكيك بينهما.
فتحصل: أن أدلة خبر الواحد إنما تدل على أن الثقة مصدق و يجب تصويبه في نقله، و لا تدل على تصويبه في رأيه و اعتقاده و حدسه. و ليس هناك أصل عقلائي يقول: إن الأصل في الإنسان- أو الثقة خاصة- أن يكون مصيبا في رأيه و حدسه
(١) أي: تصديقه في إخباراته الحسية دون الحدسية.
(٢) كما في الخبر المتواتر.
(٣) كما في خبر الثقة، فإن الشارع نزل خبر الثقة منزلة الواقع تعبدا.